يصف البعض استقالة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ديفيد بترايوس، على خلفية علاقة عاطفية خارج الزواج، بأنها مأساة ليس إلا، بالنسبة له ولعائلته ولأفراد أسرته. والجنرال المتقاعد كان رئيسا لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لمدة 18 شهرا، وكان أحد قادة أميركا المقلدين بالأوسمة، ولقد تمت الإشادة به لخطته القاضية بزيادة عدد القوات في العراق، والتي أدى تطبيقها إلى تحقيق ما يشبه السيطرة في العراق بعد مرحلة الغزو المتسمة بالفوضى. وكانت هناك أحاديث تفيد بأنه قد يكون رئيس أميركا المحتمل في المستقبل.
ولقد مضى على زواجه 38 عاما، وزوجته تنتمي إلى عائلة لها تاريخ عسكري مميز، ورصيد إنجازاتها المهنية متين، ولقد نظر إليهما كمثال لزوجين ينتميان إلى عائلتين لديهما تاريخ عسكري عريق.
وفي هذه اللحظة بالذات، قد تكون طبول التحذير الأولى قرعت. فالأميركيون البارزون الذين يسمحون لأنفسهم بالتحول إلى نموذج مثالي يجلبون لأنفسهم المتاعب بكل وضوح.
وعلى الرغم من كل إباحية هوليوود ونيويورك، إلا أن الثقافة الأميركية لديها تاريخ من التزمت والانضباط، ويبرز ذلك بوضوح اليوم أكثر من أي وقت مضى، وربما بدرجة أكبر بالنسبة لمن هم في الحياة العامة. فكيف إذن يمكن تفسير سبب تمكن جنرال آخر مشهود له، وهو الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور، من إقامة علاقة طويلة الأمد مع إفلاته من العقاب، ولماذا علاقات الرئيس الأميركي الأسبق جي إف كنيدي المتعددة لم تمنعه من تبوؤ منصب الرئاسة، ولماذا اتهم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بالتغطية على علاقته بمونيكا لوينسكي؟
ازدواجية المعايير
السياسة وازدواجية المعايير وتقلبات المناخ الأخلاقي كلها تحدد رد الفعل الرسمي على قضايا العلاقات غير المشروعة، وكان هناك كثير من الأميركيين في الأيام الأخيرة يقولون إن رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ديفيد بترايوس، لم يكن بحاجة للقبول بالهزيمة بسبب علاقة قصيرة الأمد. وعلى ما يبدو كان أول رد فعل للرئيس أوباما، في رفض الاستقالة المعروضة باعتبارها تتسم بالنبل لكنها غير ضرورية.
وفي النهاية، ربما كان أوباما مجبرا على قبولها نظرا للمنصب الذي يتولاه بترايوس. فالأمر يختلف عندما يتخذ جنرال كبير عشيقة له، وعندما يكون هذا الجنرال رئيسا لوكالة الاستخبارات الأميركية. خلال الحرب الباردة، كان الخطر الأكبر يتمثل في حدوث عملية ابتزاز. وبترايوس كان محقا في الحكم بأنه لا يستطيع أن يستمر في منصبه، وأوباما كان على حق في جعله يرحل.
لكن هناك أسبابا أخرى مقنعة تدفع للاعتقاد بأن أوباما قد يكون له أسباب قليلة للندم على هذه الخسارة. على الرغم من أن الاثنين توصلا إلى اتفاق خلال ولاية أوباما الأولى، إلا أن القائد العسكري والرئيس لم يتفقا في وجهات النظر تحديدا. بطريقة ما لم يشكل هذا الأمر كارثة. فبعد قيامهما بدراسة بعضهما بعضا بحذر، بدا الرجلان اللذان يتمتعان بالذكاء والثقافة أنهما يستمتعان في الدوران حول أفكارهما المختلفة.
لكن بترايوس، برز تحت رئاسة الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن، وحصل على نفوذ تجاوز منصبه العسكري. وعندما تحدث أمام الملأ، كما أصبح يفعل باضطراد في سبيل تفسير تكتيكاته لمكافحة التمرد في العراق، كان يظهر بعضا من الغرور والغطرسة.
استراتيجي عتيق
وخطة زيادة عدد القوات كانت مكلفة على صعيد الأرواح العراقية والأميركية، لكنها امتصت مد التمرد ورفعت رجلا عسكريا مثله إلى مصاف الاستراتيجيين على أفضل ما يكون. وامتنان أميركا له كان مفهوما: فبترايوس خلص أميركا ورئيسها من مغامرة بدت في طريقها إلى أن تصبح فيتنام جديدة. ولقد اصبح ممكنا الآن تصور عراق يحظى بالسلام، وبالنسبة لأوباما كمرشح رئاسي، أصبحت دعوته للانسحاب ممكنة باعتبارها اقتراحا واقعيا يحظى بالشعبية.
ومازال من المبكر معرفة ما إذا كان مقدار الاحترام الذي قدم لبترايوس كعبقري عسكري يستحقه فعلا، وإلى أي مدى يعكس تجسيدا سياسيا حكيما. ومازال باكرا أيضا معرفة ما إذا كانت ولايته قد ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أم أعاقتها. لكن سقوطه، ومأساته الشخصية بلا شك، تعطي الرئيس فرصة أكبر للثقة بأحكامه، وبسبب ذلك، قد تكون سياسته الأمنية في ولايته الثانية في وضع أفضل.
