تتوالى لوائح النعي لحل الدولتين للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بانتظام متزايد، مع أمثلة تشمل مقالات حديثة في صحيفة "غارديان" لكل من راشيل الشابي وغادة الكرمي، ويزداد وضوحاً الآن أنه بين المؤيدين للنضال الوطني الفلسطيني هناك من يطالب بدولة واحدة ثنائية القومية. لكن وجهة النظر تلك لا اتفاق عليها بالإجماع، ويستمر أشخاص مثل نورمان فنكلشتاين ونعوم تشومسكي في الدعوة إلى بناء دولتين على حدود عام 1967 "مع إخضاع الحدود لبعض التعديلات المتبادلة والطفيفة للغاية". والخلاف يدور حول التكتيكات والتحليل بدلا من السياسات والمبادئ، ومع ذلك، فإنه لا يقل أهمية.
أسباب معروفة
وأسباب الدعم للدولة الواحدة ثنائية القومية باتت معروفة على نحو معقول. فالمستوطنات غير الشرعية لإسرائيل باتت راسخة إلى حد أن اقتلاعها لإفساح المجال لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أصبح أمراً مستحيلا، وبالتالي، تفرض هذه الأسباب المطالبة بدلا من ذلك بدولة ديمقراطية واحدة على كامل فلسطين تحت الانتداب البريطاني سابقا.
لكن المنطق هنا غير متكامل، فإعلان حل الدولتين بأنه حل غير واقعي لا يجعله الحل الأكثر جدوى لقيام دولة واحدة ثنائية القومية، أمراً بديهيا. فقيام دولة واحدة ثنائية القومية سيترتب عليه نهاية إسرائيل والصهيونية، كما نفهم هذين المصطلحين اليوم. فهل هذا يشكل فعلا السيناريو الأكثر ترجيحا من تفكيك البنية التحتية الاستيطانية في الأراضي المحتلة؟ واستطلاعات الرأي الأخيرة التي تظهر مستويات من العنصرية منذرة بالخطر بين الرأي العام الإسرائيلي، وهو الأمر الذي انعكس في التحالف اليميني المتشدد الجديد بين الليكود و"إسرائيل بيتنا"، لا تشير إلى وجود كيان سياسي في إسرائيل يفكر حاليا بحل نفسه، تحت أي مقدار من الضغط السياسي.
والمعوقات أمام فك المستوطنات في الأراضي الفلسطينية هي معوقات حقيقية بالفعل، لكن لا ينبغي المبالغة بها، فالمستوطنات بحد ذاتها تستحوذ على مساحة صغيرة. وفي الواقع، فإن الكتل الاستيطانية هي التي تمزق الأراضي الفلسطينية، وتستولي على الموارد الطبيعية الحيوية، وتجعل قيام دولة مستقلة على الأراضي المتبقية أمرا غير قابل للتطبيق.
ولقد اظهر المفاوضون الفلسطينيون خرائط مفصلة، تظهر كيف أنه مع إزالة واسعة لتلك العوائق، فان تبادلا في الأراضي بما يوازي نسبته 1.9% من الضفة الغربية، يمكنه أن يترك 63% من المستوطنين في موقعهم، والفلسطينيون في دولة متماسة قابلة للحياة.
عرض سخي
ويعد هذا العرض المقدم عرضا سخياً، أخذا في الاعتبار أن استيطان الأراضي من قبل إسرائيل هو عمل غير شرعي، كما أكدت محكمة العدل الدولية في عام 2004. وقبل عشر سنوات، قدمت جامعة الدول العربية لإسرائيل اعترافا كاملا بها في مقابل انسحابها إلى حدود 1967، وموافقتها على حل عادل للاجئين الفلسطينيين، وهذه الصيغة وافقت عليها القيادة الفلسطينية، لكن رفضتها إسرائيل.
بل إن "حماس" التي كانت رسميا معارضة لمثل هذه التسوية، أشارت إلى أنها ستقبل بها إذا جرى إبرامها من الشعب الفلسطيني، الذي على الرغم من يأسه من الأوضاع، يستمر في تفضيله لتسوية الدولتين. والمشكلة لا تتعلق بحل الدولتين بقدر ما تتعلق بموقف إسرائيل الرافض له، والمستند إلى دعم مهم، بل إذعان، من راعيتها واشنطن، إلى جانب دول الاتحاد الأوروبي. والمطلوب ضغط من الرأي العام نشط وهادف على إسرائيل وحلفائها الغربيين في سبيل تغيير حسابات إسرائيل الاستراتيجية، وجعل الانسحاب إلى حدود 1967 أمرا لصالحها.
بالنسبة إلى المدافعين عن القضية الفلسطينية، فان البديل المطروح في مقابل الضغط نحو الهدف الصعب، الذي لا يزال يحتفظ بمقدار لائق من الدعم من أجل تسوية الدولتين، هو السعي إلى هدف أصعب يحظى بدعم أقل بكثير. والنتيجة ستكون تقليص الضغط المؤثر على إسرائيل، الأمر الذي سيسمح لها، كما يقول تشومسكي، "بالاستمرار في سياستها الحالية، المتمثلة في أخذ كل ما له قيمة في الضفة الغربية، ربما نسبة 40-50% من الأراضي، تشمل نسبة قليلة من الفلسطينيين" مع إيداع الباقين في "كانتونات غير قابلة للحياة"، ووضعهم أمام خيار أما أن "يتعفنوا أو يغادروا".
البديل الأسوأ
هكذا، لن تعود هناك "مشكلة ديمغرافية" أو إعداد لمشهد صراع ضد الفصل العنصري، فيما "تبقى غزة سجنا مفصولا عن باقي فلسطين الضفة الغربية في انتهاك لمعاهدات أوسلو".
باختصار، من دون حملة دفاع مؤيدة للفلسطينيين فعالة مستندة إلى تقييم فعلي للوضع، فإن إسرائيل ستكون حرة في الحفاظ على الوضع القائم لأجل غير مسمى. وبشكل مثير للجدل، فإن الطريق الأكثر عملية إلى حل الدولة الثنائية القومية قد يكون في ضمان بعض من العدالة والسلام بأسرع ما يمكن من خلال تسوية الدولتين، وهذا الأمر سينشئ الظروف التي ستؤدي على الارجح إلى دولة ثنائية القومية اكثر استدامة، من خلال الحوار وبناء التوافق في الآراء على المدى البعيد.
وهذا هو الدرب الذي يفضله تشومسكي، الذي يقول: "طالبت على مدى 70 سنة، بحل ثنائي القومية، لكنني دعوت إلى تحقيق هذا الهدف، وليس مجرد الكلام عنه، وما أعنيه أنه من الضروري الانتباه إلى ظروف العالم الحقيقية، ورسم طريق قابل للتطبيق من هنا إلى هناك. واستبعاد ذلك، يوازي القول "دعونا نعمل على إحلال السلام في العالم مستقبلا".
ترجمة: نهى حوّا
