أطلق الرئيس الفلسطيني، محمود عباس" عاصفة من السجال في الشرق الأوسط، أخيرا، في أعقاب ما بدا تنازلا منه عن مطلب "حق العودة" للاجئين الفلسطينيين، وهي القضية المحملة بالرموز الوطنية في قلب الصراع الفلسطيني ضد إسرائيل لعقود من الزمن.
وفي مقابلة على القناة الإخبارية الإسرائيلية "القناة 2"، قال عباس إنه يخطط للبقاء في الضفة الغربية، على الرغم من انه لاجئ من مدينة صفد، بدلا من المطالبة بموطن صباه، في إطار صفقة سلام.
وقال باللغة الإنجليزية في المقابلة التي أخذت طابعا خاصا: "يحق لي رؤيتها، لكن ليس العيش فيها، فانا لاجئ لكنني أعيش في رام الله، وهذه هي فلسطين. واعتقد أن الضفة الغربية وغزة هما فلسطين، والأجزاء الأخرى هي إسرائيل".
تنازل في العلن
ورأى المراقبون الإسرائيليون والفلسطينيون أن ملاحظاته تشكل قطيعة مع مطلب السماح للاجئين بالعودة إلى دورهم التي هجروا منها، قبل إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948، وهذه القضية كان المفاوضون قد حاولوا حلها وراء الكواليس، لكن لم يسبق أن جرت مناقشتها أبدا في العلن بين الفلسطينيين باعتبارها من المحرمات.
وفي اليوم التالي لبث المقابلة، أحرق الفلسطينيون في غزة، التي يسيطر عليها فصيل فلسطيني منافس وهو "حركة حماس"، صورا لعباس كتب عليها "الخائن"، وأجبر عباس على القول لصحف تصدر باللغة العربية، في سبيل حصر الضرر، إنه كان يتكلم فقط من منطلق شخصي، وليس هناك أي تغيير في الموقف الفلسطيني.
يقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، ناثان ثرال: "ما قاله في المقابلة ومس بشدة الفلسطينيين مفاده أنه "لا حق لي بالعودة إلى منزلي". وإذا ما تم اخذ هذا الكلام بحرفيته، فإنه يعني أن عباس قد تنازل عن حق العودة بالكامل، ولن تكون هناك مفاوضات، وهذا الأمر هو مركز الصراع كله من وجهة نظر الفلسطينيين".
وعلى الرغم من أن ما بدا تنازلا من قبل عباس جرى النظر إليه باعتباره زلة لسان، إلا أن كثيرين يقولون أيضا إنه اعتراف علني قل مثيله، بأنه على استعداد للمساومة على قضية على هذا القدر من الصعوبة.
التلاعب بالانتخابات
والحمائم الإسرائيليون استشهدوا بما قاله عباس كدليل على أنه أمل إسرائيل الأفضل للتفاوض على معاهدة، وذلك على نقيض تصويره من قبل الحكومة الإسرائيلية بأنه زعيم يفضل التشديد على الشروط المسبقة بدلا من التفاوض. لكن فيما الإسرائيليون يستعدون للانتخابات البرلمانية في يناير المقبل، فقد طغى على المباحثات المحتضرة مع الفلسطينيين هذا العام السجال حول الاقتصاد الإسرائيلي.
ولقد اتهم البعض عباس بالتلاعب بالانتخابات في تصريحاته. يقول غرشون باسكين، محلل سياسي إسرائيلي: "هذا إقرار بأنه في المفاوضات لن يحصل الفلسطينيون على حق العودة، وقد يكون عباس هو الفلسطيني الأول الذي يقف ويكون صادقا مع شعبه، ويتعين على الفلسطينيين أن يدركوا أنه جرى الكذب عليهم بشأن حق العودة".
رمز العودة
وما زال الفلسطينيون يحملون مفاتيح بيوتهم كرمز لملكيتهم لتلك المنازل المتروكة خلال حرب عام 1948، التي أدت إلى نشوء دولة إسرائيل، وهجرت مئات الألوف من الفلسطينيين. وبالنسبة لهم، يمثل حق العودة اعترافاً مقدساً بعقود من اللجوء والظلم. ومع ذلك، يرى الإسرائيليون أن المطالبة بحق العودة يهدد بتدفق هائل للاجئين، وهو يعادل في خطره رفض الاعتراف بطبيعة إسرائيل كدولة يهودية. وكان كثير من النقاد الإسرائيليين للرئيس الفلسطيني قد زعموا في السابق أن رفضه للتنازل عن حق العودة يشير إلى كونه ليس جديا في مسألة القيام بتنازلات ضرورية لعقد صفقة. لكن الأستاذ في جامعة بير زيت والناطق السابق باسم الحكومة الفلسطينية، غسان الخطيب، يقول إن الجانبين ناقشا حلا لموضوع حق العودة من قبل، بمنح الفلسطينيين أشكالاً عدة من التعويضات، مما سيحد في النهاية من عدد اللاجئين العائدين إلى إسرائيل. وغلطة عباس انه تنازل عن المبدأ من دون أي مقابل، قبل بدء المفاوضات، يقول: "التخلي عن حق العودة، أو أي إشارة في هذا الاتجاه يعد أمرا مستفزا، وإيماءة غير مرحب بها".
