سيخيب الرئيس الأميركي باراك أوباما المعاد انتخابه لولاية ثانية، على الأرجح، آمال أصدقائه حول العالم. فكثيرون منهم يرغبون في رؤيته يعيد إحياء سياسته الخارجية التي وضعها عندما انتخب للمرة الأولى، ويطلق سياسة جديدة شاملة تعمل فيها أميركا مع العالم الإسلامي كشريكين متساويين.

وهذا يتضمن قيام أميركا بمعالجة قضية الاحتلال مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والبدء بحوار مع ايران حول كيفية التوصل إلى حل متفق عليه لبرنامجها النووي.

مراوحة مكانية

لقد فشل أوباما في أن يحقق رؤيته في ولايته الأولى، وللأسف، من غير المرجح أن يستخدم ولايته الثانية لإيجاد ذاك الإحساس بالهدف مجددا في العالم. فقد أعيد انتخابه من قبل أميركيين قلقين جداً على اقتصادهم واهتمامهم محدود بالعالم الخارجي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين منقسمان الآن، بين مجلس شيوخ ديمقراطي أعيد إحياؤه بسبب فشل الجمهوريين في الاستيلاء على بضعة مقاعد حيوية، ومجلس نواب يهيمن عليه الجمهوريون. ويعني هذا الوضع السياسي الصعب أنه لن يحصل اختراق محلي دراماتيكي، خصوصاً بعد انهيار أي إحساس لدى الحزبين بمغزى العمل سويا لإيجاد المساومات الضرورية المطلوبة لحكم أميركا.

وهذا الأمر، بدوره يعني أن أوباما سينفق وقتا زائدا على حده، وهو يصارع للوصول إلى تشريعات اقتصادية حيوية عبر الكونغرس، في سبيل تفادي كوارث مثل "انتهاء الإعفاءات الضريبة وتأثيره على المالية" والعمل على إعادة تنشيط الاقتصاد. وأي مبادرة قد يرغب أوباما في إطلاقها بدعم من الكونغرس لن تنجح على الأرجح.

مغادرة كلينتون

بالإضافة إلى ذلك، قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إنها لن تستمر في منصبها. وكلينتون تغادر بسمعة نضرة بوصفها عاملا نشيطا في أعلى المناصب الحكومية، وهي قد أظهرت أيضا إخلاصا واضحا لمنافسها الذي نجح في الترشح عن الحزب الديمقراطي. ربما قد تكون تعد نفسها الآن للترشح للمنصب الأول في غضون أربع سنوات؟

ويتوجب على أوباما إيجاد وزير للخارجية جديد. والمفضل في هذه اللحظة هو السيناتور ذو الخبرة، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جون كيري، الذي أراد هذا المنصب منذ أربع سنوات، لكن أيضا من المرشحين هناك مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس، المقربة من أوباما والتي يصعد نجمها في واشنطن، بالإضافة إلى مستشار الأمن القومي، توم دونيلون، الذي يعتبر ضمن الدائرة الضيقة لصانعي القرار.

وعلى سبيل المزاح (وربما بذرة من الحقيقة)، فإن كتاب الثرثرة السياسية في واشنطن، يطرحون اسم شخص دخيل غير معروف، مما سيشكل صدمة حقيقية، وهو العضو المسلم الأول في الكونغرس الذي جرى انتخابه، كيث أليسون، أو اسم أول عضوة سوداء مسلمة منتخبة في الكونغرس عن ولاية مينيسوتا، والتي جلبت عاطفة قوية لنقاشاتها حول قضايا السياسة الخارجية.

لكن بصرف النظر عمن سيترأس وزارة الخارجية الأميركية، فإنه من غير المرجح أن يتغير الشيء الكثير. وسيحتاج الأمر إلى زلزال سياسي فعلي لإعادة اكتشاف الروح التي اطلقها أوباما في عام 2009، عندما تحدث في القاهرة إلى العالم المسلم، وحث "على بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أميركا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض، ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما، بل إن لهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عليها، ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان".

وفي عام 2010، ألقى أوباما خطابا أمام مجلسي البرلمان الهندي، قال فيه: "الولايات المتحدة لا ترحب فقط بالهند كقوة عالمية، بل إننا ندعم ذلك بشدة، ولقد عملنا على جعلها حقيقة، ومع تبوأ الهند موقعها الذي تستحقه في العالم لدينا فرصة تاريخية لجعل العلاقة بين البلدين شراكة واضحة المعالم في القرن المقبل"، وقد أيد حفظ مكان دائم للهند في مجلس الأمن بعد إصلاحه.

لكن هذه الرؤية المحلقة عالياً لم تتحول إلى واقع.

 

 

.. ويواجه سنوات عجافاً حافلة بالتحديات

 

 

 

فاز الرئيس الأميركي باراك أوباما بإعادة انتخابه لولاية ثانية ضد خصمه، أخيرا، بالهامش الأصغر في التاريخ الأميركي الحديث، بما يوازي كسراً من نسبة الـ 7.3% التي حققها في عام 2008.

ولقد جاء فوزه في ظل استقطاب تعيشه أميركا، واحتفاظ الحزب الجمهوري المعارض بمجلس النواب وهيمنته عليه. وبما أن الولاية الرئاسية الثانية نادرا ما تكون أفضل من الأولى، فإن أفضل وصف ممكن لهذا الفوز، هو أن الناخبين استندوا في خيارهم إلى الأمل أكثر من التجربة.

أسباب الفوز

ولقد تمكنت حملة أوباما من حبك نسخة منكمشة ولكنها فعالة من تحالف عام 2008، تتألف من النساء العازبات والشباب وذوي الثقافة الليبرالية، وعمال الحكومة وغيرهم من عمال النقابات، وخاصة الناخبين من الأقليات. واستراتيجية حملته ركزت على تصوير المرشح الجمهوري، ميت رومني، بأنه شخص متنفذ بسبب ثروته، وتهديد لا يمكن التسامح حياله، لشرائح أولئك الناخبين.

وهذا كله كان صورة كاريكاتورية حتى ضمن معايير السياسة الحديثة، لكن الأمر نجح. وأوباما كان قادرا على جمع ما يكفي من أولئك الناخبين ليفوز، حتى مع خسارته للمستقلين وفوزه بمجرد 40% من إجمالي أصوات البيض، حسب استطلاعات الرأي فور التصويت. وكانت آلة حملته كفؤة جدا في جلب أنصار الديمقراطيين إلى مراكز الاقتراع.

واستفاد من سلسلة طويلة من الأحداث التي جاءت لصالحه. فلقد دمر إعصار "ساندي" الشمال الشرقي قبل أسبوع من يوم الانتخابات، مما جعله يصعد بضعة أيام فوق التأييد الحزبي الذي طبع ولايته الأولى. ولقد أظهرت استطلاعات الرأي أن الذين قرروا متأخرين من سينتخبون، ذهبوا لانتخاب أوباما هذه السنة، فيما هم يتوجهون في العادة لصالح المنافس.

ويدين أوباما أيضا لاثنين من الجمهوريين المعينين في الحكومة، هما رئيس المحكمة العليا جون روبرتس ورئيس الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي. فلقد انضما إلى أربعة ليبراليين في المحكمة العليا في دعم "أوباماكير" في يونيو الماضي. فأمن روبرتس بعضا من الشرعية لقانون الرعاية الصحية غير الشعبي للرئيس، وساعده أيضا في توحيد حزبه حول قضية يفترض حمايتها خلال الولاية الثانية.

أما برنانكي، فقد شكلت الجولة الأخيرة من التسهيل الكمي (بشراء المصرف المركزي الأصول المالية من المصارف التجارية والمؤسسات الخاصة لضخ كمية من الأموال محددة مسبقاً) مساهمة عينية لا تقدر للرئيس في الأسابيع الأخيرة من الانتخابات، حيث ساعدت في رفع أسعار الأصول، وزيادة ثقة المستهلكين، مما عكس الآثار الضارة لسياسات أوباما على الاستثمار والتوظيف.

أخطاء رومني

ورومني هو أحد السياسيين الأقل طبيعية في عصورنا، لكنه رجل جدير بالثناء، وقد أدار حملته بناء على برنامج إصلاحي بالأخص بعد المناظرة الأولى في 3 أكتوبر الماضي. وخاطر بوضع رجل الكونغرس بول ريان على قائمة ترشيحه، لكن هذا الأخير برهن على أنه مفيد للحملة.

واستطلاعات الرأي الأخيرة، أظهرت أن الحملتين حاربتا على قضية "ميديكير" وحققتا التعادل في فلوريدا.

لكن رومني ارتكب بعض الأخطاء الاستراتيجية المصيرية. فقد تأخر في الدفاع عن سجله في شركته "باين كابيتال"، وكرس كثيراً من الجهد لمؤتمر الجمهوريين لتحسين صورته، على حساب قيامه بطرح برنامجه. وفي المناظرة الأولى فقط، تمكن الناخبون من رؤية رومني وهو يشرح مشروعه لـ "ميديكير" والإصلاحات الضريبية بتعابير واضحة مقبولة، فارتفعت أسهمه في استطلاعات الرأي فوراً.

ويبدو أنه فشل أيضا في تمييز خطته الاقتصادية بما يكفي عن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. وأوباما استمر في القول للناخبين إنه يحتاج للمزيد من الوقت لإصلاح الاقتصاد، واستطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن ناخبين كثيرين لاموا بوش على الوضع الاقتصادي أكثر مما أنحوا باللائمة على الرئيس الحالي.

ربما الأمر الأكثر إضراراً بحملة رومني كان فشله في أن يبدو اكثر إبداعا بالنسبة للناخبين من الأقليات، لا سيما من أصول لاتينية. وقراره الأسوأ قد يكون تحدي حاكم تكساس ريك بيري في الانتخابات التمهيدية بترشحه على يمينه في موضوع الهجرة. ورومني لم يكن بحاجة إلى ذلك، أخذا في الاعتبار أن بيري لم يكن مستعدا لحملة وطنية، بالإضافة إلى ضعف مرشحي الحزب الجمهوريين الآخرين.

ولقد أضاع رومني مجددا فرصا لاحقة للانتقال إلى الوسط حول قضايا الهجرة، لاسيما المساومة مع السناتور ماركو روبيو حول مشروع "قانون دريم" الذي يفرض شروطا على أبناء المهاجرين غير الشرعيين لتسوية أوضاعهم. وهذا أوجد ثغرة لقيام أوباما بتنفيذ أساسيات القانون بموجب أمر تنفيذي، بمعزل عن مدى شرعيته، مما زاد من شعبيته بين الناخبين اللاتينيين.

ولقد أظهرت استطلاعات الرأي فور التصويت، أن ما حصده رومني من أصوات اللاتينيين كان أسوأ مما حصده جون ماكين في عام 2008.

تسوية مقبلة

وسيكون على أوباما الآن أن يحكم أميركا، التي سعى إلى تقسيمها بلا هوادة، ومن دون تفويض أبعد من سلطته الرئاسية. وسيسيطر الديمقراطيون على مجلس الشيوخ، لكن الجمهوريين سيحتفظون بمجلس النواب بسهولة. والجانبان سيجبران على التوصل إلى نوع من تسوية فيما يتعلق بانتهاء الإعفاءات الضريبية، وتخفيضات الإنفاق الآلية، وسقف الدين، ورئيس مجلس النواب جون بونر بإمكانه التفاوض وهو مدرك أن لديه التفويض نفسه كما الرئيس.

ولهذه الانتخابات نتائج مهمة أكثر من غيرها لسبب واحد، وهو "أوباماكير". فمعدلات الضريبة تضر بالاقتصاد عندما ترتفع، لكن يمكن تخفيضها، والأنظمة يمكن تبنيها أو التخلي عنها والإنفاق يمكن تخفيضه. أما "قانون الرعاية الصحية المعقول الكلفة"، فإنه سينتشر كالنمل في الاقتصاد الوطني والمالية العامة. وأوباما سيستخدم ولايته الثانية بلا شك لتعزيز حلم استحقاقات الرعاية هذا.

 

 

 

 

 

رؤية

 

 

 

 

رؤية باراك أوباما، في ولايته الأولى المحلقة عاليا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، لم تتحول إلى واقع. فالمستوطنات الإسرائيلية بدلاً من أن تزال، يستمر بناؤها وتوسعها على قدم وساق في الضفة الغربية.

وتستمر ضربات الطائرات الموجهة في إغضاب الرأي العام في أفغانستان وباكستان، فيما لا زال سجن خليج غوانتانامو الذي يعمل خارج القانون الأميركي، مفتوحا على الرغم من وعد أوباما المحدد بإغلاق هذا المكان المثير للغضب الأخلاقي خلال سنته الأولى في منصب الرئاسة.

وستولد الإدارة الديمقراطية الجديدة كثيرا من حسن النية، إذا اختارت القيام بشيء ما حول أي من هذه المشكلات أو كلها. وما هو مطلوب هو أن يشيح المسؤولون في إدارة أوباما بنظرهم عن المشكلات المحلية، ويجدوا الشجاعة للبدء بالتصرف.

 

 

مخاوف المحافظين

 

 

 

سيقول بعض من المحافظين إن فوز أوباما يمثل تراجعا في الفضيلة الوطنية الأميركية، وترجيحا لكفة "الأخذين" بدلاً من "الصانعين". وسيقولون إن الطبقة الوسطى اختارت مداهنة حكومة أوباما على مجتمع الفرص لرومني.

لكن فوزاً بهامش ضئيل لولاية ثانية، لا يبرر مثل هذا الاستنتاج برأيهم، وخوفهم هو أن يتحقق هذا الأمر لاحقاً، لكن مثل هذا المصير سيبقى في أيدي الجمهوريين. فهناك قلة من الانتصارات أو الهزائم الدائمة في السياسة الأميركية، ولا يرون الانتخابات الأخيرة واحدة منها.