يمكن للمرء، على امتداد سوريا هذه الأيام، إيجاد دلائل كثيرة على أن هذا البلد بحضارته العريقة ومعقله التاريخي للقومية العربية، قد أصبح مليئاً بأسلحة من الخارج يجرى تسريبها إلى الثوار من قبل بلدان تحرّض على تغيير النظام.

وهناك براهين قوية تدعم الفرضية القائلة بأن وكالات الاستخبارات الأميركية وغيرها من الوكالات الأخرى، إلى جانب تجار أسلحة من القطاع الخاص في تلك البلدان، هي على رأس ما لا يقل عن أربع وعشرين دولة مستفيدة من الأزمة في سوريا من جراء تسريب السلاح، عبر السوق السوداء أو عن طريق الحكومات.

وهناك قائمة من 24 دولة تحتل المراتب الأولى بين اكثر من ست وثلاثين دولة معنية حاليا بإرسال أسلحة إلى سوريا لتغيير النظام، يتكون ثلثاها من دول أعضاء في حلف شمالي الأطلسي "ناتو"، يشكلون حوالي نصف أعضاء بلدان "ناتو" الثماني والعشرين.

ويقول مساعدو المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، الأخضر الإبراهيمي، إن أحد التحديات الرئيسية أمام مهمته تكمن في "إقناع دول رئيسية في الشرق الأوسط، وعلى المستوى الدولي، بوقف دعم الثوار بالسلاح".

وهم يشيرون إلى احتمال أن تكون الولايات المتحدة نفسها هي التي تمد الثوار بمنظومات دفاع جوية محمولة على الكتف في سوريا. وكانت شبكة "أن بي سي نيوز" قد أفادت من مقرها في نيويورك، في يوليو الماضي، أن الثوار السوريين حصلوا على دزينتين من تلك المنظومات الجوية الأميركية وصلتهم عن طريق تركيا.

وكانت وزيرة الخارجية الأميركية قد أعلنت في طرابلس، بعد شهر من مقتل الرئيس الليبي معمر القذافي في أكتوبر 2011، أن أميركا ستلتزم بدفع مبلغ 40 مليون دولار لمساعدة ليبيا "في تأمين واسترداد مخزوناتها من الأسلحة". وأفادت مصادر من الكونغرس أن إدارة أوباما مدركة تماما أن كميات من تلك الأسلحة موجودة حالياً في سوريا وهناك المزيد منها على الطريق.

"أفغانستان جديدة"

ومع دخول الأسلحة والمتشددين إلى سوريا من الحدود الشمالية، يشار إلى جنوب تركيا في دمشق بشكل متزايد على أنها "أفغانستان جديدة".

ففي سوريا، إلى جانب أنواع عدة من الأسلحة الخفيفة المتدفقة إليها من دول عدة بأعداد كبيرة، توجد صواريخ أميركية مضادة للدبابات من طرازي "إم 72 أل إيه دوبل يو" و"إيه تي-3"، لكن يصعب تأكيد مدى استخدامها، حيث أن معظمها موجود في مراكز المدن الرئيسية وقرب الحدود.

كما يملك بعض المسلحين الأجانب إمكانية الوصول إلى بعض الأسلحة من الحقبة السوفييتية، مثل المدافع الثقيلة من طراز "دشكا" أو المضادة للطائرات من طراز "زيو-23-2"، والقادرة على اختراق مركبات المشاة المدرعة السوفييتية للجيش السوري من طراز "بي إم بي".

وكانت روسيا قد كررت مزاعمها في 25 أكتوبر الماضي، بان الولايات المتحدة تقوم بدعم وتنسيق شحنات الأسلحة إلى الثوار الذين يحظون برعاية خارجية. وقال مسؤول عسكري روسي كبير إن مجموعات مسلحة سورية حصلت على أسلحة مصنوعة في أميركا، بما في ذلك صواريخ مضادة للطائرات من طراز "ستينجر".

وكما يجري التكهن به على نطاق واسع، لا سيما في وسائل الإعلام الإقليمية، فان إمدادات الأسلحة من الخارج تصل إلى الثوار عبر الجو والبحر، وبشكل أساسي عبر البر من الدول المجاورة.

ويزعم بعض المحللين في دمشق أن إسرائيل تقوم بإرسال أسلحة إلى سوريا عبر كردستان، وأن ما فعلته تل أبيب في ليبيا فيما يتعلق بتجارة الأسلحة واسعة النطاق تحاول القيام به في سوريا.

لكن هل هناك من سياسة أميركية متماسكة تجاه الأزمة السورية؟

دعم أميركي

أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، أخيرا أن أميركا سوف تزيد "دعمها غير المميت" للمعارضة السورية، لكن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جيمز بترايوس، قال خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ: "المساعدة غير المميتة إلى المقاتلين، بما في ذلك معدات الاتصالات، هي أحيانا اكثر فتكا وأهمية من العبوات الناسفة نظرا للفوائد اللوجستية التي تؤمنها في ساحة المعركة".

وبالإضافة إلى أميركا، تقوم بريطانيا وعدة حكومات أوروبية بتزويد المعارضة السورية بمساعدات "غير مميتة"، بحسب مصادر أمنية سورية، كما توجد دلائل عدة أخرى على وجود أسلحة بشرية على نمط القاعدة.

وفي خطابها في زغرب أخيرا، شددت كلينتون على أن أية مجموعة تحاول إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد يجب أن ترفض محاولات المتشددين "اختطاف" الثورة الشرعية. وأفادت كلينتون أن أميركا أصبحت مقتنعة بأن المجلس الوطني لا يمثل مصالح كل المجموعات العرقية والدينية في سوريا، وأن لديه شرعية محدودة بين الناشطين والمقاتلين على الأرض، ولم يفعل إلا القليل لمنع تسرب المتشددين إلى قوات المعارضة.

ولغة كلينتون جرى تفسيرها من البعض بأنها دليل على أن البيت الأبيض ما بعد الانتخابات قد يتحرك نحو روسيا والصين وغيرها بعيدا عن الدول الإقليمية.

ويتعين وقف التدخل في سوريا من قبل حوالي 30 بلدا عن طريق توريد السلاح، كما آن الأوان لكي ينهي المجتمع الدولي الأزمة السورية دبلوماسيا، وأن يوقف تدفق الأسلحة والأموال، وأن يطالب بدخول كل الأطراف المعنية فورا في حوار جدي لحل خلافاتها.