توجد أحياء في مدينة حلب السورية تكاد تكون مهجورة بالكامل، وهي عبارة عن كتل من المباني ذات الواجهات المدمرة، وشققها مكشوفة. وهناك مبان أخرى غير مصابة ،لكنها خاوية من سكانها، تتمايل ستائرها من خارج النوافذ.

ولقد حولت أنابيب المياه المتفجرة الطرقات إلى انهار مسدودة بالأنقاض. وهناك مجموعات من القطط تسير في أرجاء المكان كالوحوش الضارية، وبين الفينة والأخرى، تقع العين على هرة مقتولة على الأرض، وقد تمزق جسدها بطلق ناري من بندقية قناص.

والقناصة، من الثوار والنظام، موجودون في كل مكان. وتحوم في السماء طائرات "ميغ" على الدوام، فيما يتواصل القصف نهارا وليلا، وفي الأجواء روائح لا يمكن تفاديها لجثث متفسخة.

وهكذا تجري الحياة على الأرض بالنسبة للسكان الصامدين في حلب. وفي ظل هذه الأوضاع، يسهل الجدل بضرورة تدخل الغرب، وتسليح الثوار والمساعدة في الإطاحة بالحكم الوحشي للرئيس السوري بشار الأسد، ومحاولة الخروج بشيء جيد من هذه الفوضى. ففي النهاية، الثوار هم أقل تسليحا ودعما وتمويلا، ويحاربون قوة ترتكب فظائع يومية.

ومع ذلك، أخذا في الاعتبار كل الأمور مجتمعة، لا يمكن إقامة الحجة لصالح التدخل في حلب، أو لصالح التدخل في الصراع السوري الأوسع نطاقا.

ولبضعة أيام في سبتمبر الماضي، كنت ضمن فصيل ثوري يدعى "أحرار الشام" داخل المدينة. والرجال في هذا الفصيل عنيفون ومتمرسون بالقتال. يجلسون وهم يتناولون اطراف الحديث ،أو يغطون في نومهم ، فيما تسقط القذائف حولهم، وتبدو عليهم اللامبالاة، فيما هم يلقون القنابل المصنوعة يدويا على المركبات الحكومية.

بعضهم يسخر من العدو، وبعضهم الآخر يبدو متحمسا لإطلاق رشاشاته، وبالنسبة اليهم الأمر عبارة عن وسام شرف.

لكن بعد كل شارع أو شارعين في حلب تسيطر فرقة مختلفة، وعلى الرغم من أن تلك الفرق تعمل سويا أحيانا، إلا أنها في الغالب على خلاف بعضها مع البعض الآخر. ولقد رأيت فرقة تقوم بإطلاق النيران للتغطية على فرقة أخرى، تسعى لاسترجاع جثة أحد مقاتليها، لتتحول الأوضاع بين هاتين الفرقتين في فترة متقدمة من النهار إلى صياح متبادل.

ولقد التقيت ببعض الأعضاء من الجيش السوري الحر الذين يفضلون دخول حلب بطريقة غير مباشرة، بدلا من التوجه إلى البوابة الأمامية التي يسيطر عليها "لواء عاصفة الشمال"، أحد المجموعات الإسلامية العاملة تحت مظلة الجيش السوري الحر.

والى جانب النقص الحاد في الثقة، هناك غياب للقيادة بشكل عام. ويناقش المجلس السوري الوطني من إسطنبول، لكنه ليس له احترام بين المقاتلين على الأرض.

وأخيرا، أعلن زعيم الجيش السوري الحر، رياض الأسعد، عن نقله مقار الجيش السوري الحر إلى سوريا في محاولة لتوحيد الكتائب المختلفة تحت سيطرته، لكن تكثر الشائعات بانه بقي في تركيا. وقادة آخرون حاولوا فرض احترامهم، لكنهم منشقون عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وليسوا موضع ثقة في الغالب.

ويقاتل كثير من الثوار لقضية نبيلة، وليست لديهم دوافع أبعد من حماية منازلهم وعائلاتهم، لكن يصعب فصلهم عن أولئك الذين يسعون إلى الاستفادة من الفوضى لتحويل سوريا إلى دولة متشددة.

وفي حلب، سمعت متشددين يتحدثون عن ذبح الأقلية العلوية، ويطالبون أميركا بدعمهم فورا، وفي الوقت نفسه يدعون إلى زوالها. وهذه الجماعات المتشددة ليست تلك التي قد يختار الغرب تزويدها بالسلاح، وبالمقارنة معها، ليس واضحا تماما ما إذا كان الأسد هو الخصم اللدود.

وتخطئ أميركا والاتحاد الأوروبي في تزويد الثوار بالسلاح أو في التدخل على الأرض، والغرق في وحل هذه البلاد. وأفضل ما يمكن أن يقوم به الغرب هو فرض منطقة حظر طيران تحت رعاية حلف شمالي الأطلسي " ناتو" في سبيل شل سلاح الجو التابع للحكومة. وبالتالي، يبدو أشبه بالمستحيل أن تتمكن أميركا وأوروبا من القيام بالكثير على صعيد المساعدة، في الوقت الذي يبدو المستقبل غامضا وكئيبا للغاية.

 وكما قال الرئيس الأميركي بيل كلينتون في إحدى المرات: "حيث قيمنا ومصالحنا على المحك، وحيث يمكننا أن نحدث فرقا، يتعين علينا أن نتحرك". وعلى الرغم مما نشهده في سوريا الآن، ليس هناك ما يشير إلى أنه بإمكاننا أن نحدث هذا الفرق في سوريا.