جاء نشر إحصاءات التجارة الخارجية لليابان لشهر سبتمبر الماضي، ليؤكد التبعات الاقتصادية الباهظة للخلاف المستمر بين اليابان والصين، حول ملكية سلسلة من الجزر الصخرية الصغيرة النائية غير المأهولة في بحر الصين الجنوبي.
ولقد أظهرت الأرقام عجزا غير مسبوق قيمته 7 مليارات دولار، وذلك نتيجة لتراجع الصادرات بنسبة 10.3 % بفضل التباطؤ العالمي، وعزم بكين تلقين طوكيو درساً قاسياً.
فهل يمكن أن تكون الدولتان بصدد بحث الذهاب المجنون إلى الحرب بسبب هذه الملكية العقارية الصغيرة؟ منذ شهرين تقريبا، أعرب معظم المعلقين عن ثقتهم بأن الخلاف سرعان ما سينتهي.
لكنه على ما يبدو يستمر في أشكال جديدة من الكلمات العدائية، والتصرفات الاستفزازية والتوتر السياسي بين هاتين القوتين الاقتصاديتين السابقتين واللاحقتين. وفيما القادة الجدد في بكين لا يجرؤون على الظهور بمظهر الضعفاء، يصعد القوميون في طوكيو الضغوط. فمتى وكيف سينتهي هذا الخلاف؟
تأثير الغضب الصيني
وكما تظهر الإحصاءات التجارية الأخيرة، شعرت اليابان ببعض الآثار الاقتصادية للغضب الصيني، فقد رأى مصنعو السيارات انخفاضا في مبيعاتهم، وتضررت السياحة بشكل كبير من خلال إلغاء واسع لحجوزات الزوار الصينيين.
وعلى المدى القصير، من المرجح أن تعاني اليابان من المزيد من الخسائر الاقتصادية لأنها أكثر هشاشة في وجه المقاطعة الصينية، كما أظهرت إحصاءات مبيعات السيارات والتراجع في أعداد السياح، وأكثر ضعفا في مواجهة الإيحاء الرسمي بهذه المقاطعة وعملية تنسيقها وتوقيتها.
ففي اليابان، ليس سهلا أن يلجأ السياسيون إلى تأجيج الحماسة الوطنية من خلال دعوة الناس إلى عدم شراء المنتجات الصينية، وخطوتهم تلك ستكون استبدادية مستفزة وخطرة. فالمنتجات الصينية موجودة على رفوف المتاجر في اليابان في كل مكان، وهي أرخص بنسبة الثلث عن سعر منتجات مشابهة مصنوعة في اليابان، هذا إذا تمكن المستهلكون من إيجاد منتجات مصنوعة محليا.
والصين أيضا هي جزء متكامل لا يتجزأ من سلسلة التوريد لعدد من الصناعيين اليابانيين، الذين لا يمكنهم مقاطعة الصين من دون تهديد خطوط الإنتاج لديهم. وقد تكون هذه العوامل هي التي أوحت لبكين بمحاولة تلقين اليابان ما تأمل في أن يمثل درسا قاسيا قصير الأمد.
خسائر الصين
وفي المدى المتوسط، من المنتظر أن تخسر الصين أيضا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فاليابان يمكن أن تحقق مكاسب من خلال إعادة تقييم وتوجيه سلسلة التوريد لديها.
لكن الخطر الحقيقي لا يطال فقط بطلي القضية فحسب، وإنما أيضا النمو والاستقرار في آسيا، إلى جانب مجمل الاقتصاد العالمي، حيث من المنتظر أن يتباطأ النمو، إذا هيمنت الخصومة بين الاقتصادين اللذين يحتلان المرتبة الثانية والثالثة من حيث الحجم في العالم.
وعلى امتداد أربعين عاما منذ إعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الصين واليابان، وسع البلدان نطاق استثماراتهما وعلاقاتهما التجارية والاقتصادية إلى الحد الذي اصبحا فيه في وضع من الاعتماد المتبادل.
ولقد سجلت التجارة بين الصين واليابان رقما قياسيا قدره 345 مليار دولار في عام 2011 بحسب الإحصاءات الصينية. كما أصبحت الصين سوق التصدير الأكبر لليابان في عام 2009. وتستورد الصين ما يوازي 20 % من الصادرات اليابانية، بالمقارنة مع اقل من 7.7 % منذ عقد من الزمن.
ومن جانبها، تعد اليابان الشريك التجاري الثالث الأكبر للصين، بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. والاستثمارات اليابانية تتدفق إلى الصين بمعدلات هائلة، حيث تظهر الإحصاءات الصينية أنه بحلول أكتوبر من السنة الماضية كانت هناك 33400 شركة يابانية .
وشركات تابعة لها تعمل في الصين، بزيادة هائلة نسبتها 75 % على الرقم المرتفع أصلا الذي تم تسجيله أيضا في السنة التي سبقتها، وبأن الشركات اليابانية في عام 2010 وظفت ثلاثة ملايين صيني، وشكلت 16 % من الشركات الأجنبية العاملة في الصين.
علاقة غير سوية
وهذا لا يدل على علاقة بين توأمين سياميين. فالإحصاءات المجمعة من قبل وكالة "رويترز" تظهر أن الاستثمار الياباني في الصين زاد على تريليون ين ياباني، ما يوازي حوالي 13 مليار دولار السنة الماضية، بزيادة نسبتها 60 % من السنة التي سبقتها. وفي المقابل، كان الاستثمار الصيني المباشر في اليابان اكثر تواضعا، وتراجع السنة الماضية إلى 8.9 مليارات ين ياباني.
فالنمط واضح، حيث إن الشركات اليابانية تحت ضغط تكاليف العمالة المرتفعة وارتفاع قيمة عملة الين، قد نقلت المزيد من إنتاجها إلى الصين. ولقد سمح لها هذا الأمر بأن تصبح اكثر تنافسية في السوق العالمي.
وتقدر دراسة حديثة لمصرف ميريل لينش الأميركي، أن الصين كانت مسؤولة عن نسبة 25% من الأرباح الصافية لشركة "نيسان للسيارات" ، ونسبة 21% لشركة "تويوتا" و16 % لشركة "هوندا". وكان مسح لوكالة "رويترز" عن الشركات اليابانية، وجد أنها تعمل على إعادة تقييم علاقاتها مع الصين.
ومع ذلك، فإن أقلية فقط كانت تنظر في تأخير استثماراتها في الصين (24 %)، أو في نقل الإنتاج إلى مكان آخر (18 %). والمشكلة الكبرى المترتبة على هذه القضية هي سياسية. فبكين وطوكيو قد استدعتا المفهوم الخطر "للسيادة" لدعم مزاعمهما في جزر "سنكاكو"، والسيادة لا تقدر بثمن.
لقد شهدت السنوات الستون الماضية انتصار الاقتصاد والتجارة على السياسة في العالم. وسمحت الاقتصادات المفتوحة والتجارة للبلدان في النمو أسرع من أي وقت مضى. وما تخاطر به بكين، مع قيام طوكيو بمجاراتها بلعبتها، هو العودة الخطرة بالعالم إلى الأيام السيئة الماضية، حيث كانت السياسات والإنفاق العسكري يتصدران الأولوية، فيما ازدهار الإنسان العادي ورفاهيته يجري عصرهما.
