قامت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أخيرا، بعرض فيلم وثائقي عن الحرب العالمية الثانية تحت عنوان: "النازيون: تحذير من التاريخ". ورسالة هذا الفيلم غير محصورة بزمن معين، ومفادها أنه يتعين على البشر جميعا أن يكونوا على أهبة الاستعداد لمنع صعود الفاشية العسكرية. وفي إحدى المقابلات التي تضمنها الفيلم، أعرب أحد النازيين السابقين عن خجله العميق وآسفه على ما اقترفه، مما أعادني بالذاكرة إلى قول مأثور لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق، ونستون تشرشل مفاده: "الموقف شيء بسيط، لكنه يحدث فرقا كبيرا".

مواقف يابانية

ولقد قارن مؤرخون كثيرون بين اليابان وألمانيا ما بعد الحرب. واستنتاجاتهم جاءت متسقة: فعلى النقيض من ألمانيا، لم تفكر اليابان جديا في سلوكها خلال الحرب العالمية الثانية. ومجرمو الحرب لا زالوا يتعبدون عند ضريح ياسوكوني في طوكيو. وغالبا ما يذهب كبار المسؤولين اليابانيين إلى ذاك المكان تعبيرا عن تقديرهم لأرواح الضحايا. وعلى الرغم من أن القادة اليابانيين قدموا، في بعض الأحيان، اعتذاراتهم عن هذه الحرب كرهاً، إلا أن تلك الاعتذارات لم تقنع جيران اليابان قط.

وفيما تشكل مسألة عبادة مجرمي الحرب أمراً حافلاً بالنذر، تعتبر المطالبة الظالمة بالأراضي أمرا خطيرا. فقد ادعى السياسيون اليابانيون، أخيراً، أن لهم "السيادة" على مجموعة من الجزر، المسماة "دياويو داو"، والتي تعود للصين، في تجاهل للاتفاقية التي تم التوصل إليها عندما جرى تطبيع العلاقات الصينية- اليابانية في عام 1972، وهذه الاتفاقية تفيد بأن البلدين سيتركان قضية "دياويو داو" "على أن تحل لاحقا".

واقترح وزير الخارجية الياباني كويتشيرو جمبا، خلال زيارته الأخيرة إلى بريطانيا، "فصل القضية ذات الصلة عن تاريخها"، لكن قضية هذه الجزر كلها تتعلق بالتاريخ.

اللجوء إلى التاريخ

وهناك سجلات تاريخية وفيرة تشير إلى أن "دياويو داو" والجزر التابعة لها كانت جزءا لا يتجزأ من أراضي الصين لقرون مضت، وأن الصين اكتشفتها وسمتها "دياويو داو" في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ثم قامت في القرن السادس عشر بوضعها تحت مظلة دفاعها الساحلي. لكن اليابان في عام 1884، زعمت أنها هي التي "اكتشفت" هذه الجزر، وقررت من جانب واحد أنها أرض لا تنتمي إلى أحد.

بعدها، استولت اليابان على "دياويو داو" وتايوان في عام 1895، خلال الحرب الصينية اليابانية. لكن بيان القاهرة الصادر من قبل قادة الصين وبريطانيا وأميركا في عام 1943، أفاد بتعابير واضحة: "كل الأراضي التي سرقتها اليابان من الصين.. يجب أعادتها إلى جمهورية الصين"، وبعد سنتين، أفاد إعلان بوتسدام بالآتي: "شروط إعلان القاهرة يجب أن تطبق".

وفي عام 1951، قامت أميركا واليابان بالتوقيع على معاهدة سان فرانسيسكو، وجرى استبعاد الصين من المداولات. وهذه المعاهدة وضعت جزر ريوكيو (أو ولاية أوكيناوا) تحت الإدارة الأميركية. ولقد سعت الإدارة المدنية الأميركية بعد ذلك، بشكل اعتباطي، مد ولايتها القضائية لجزر "ريوكيو"، لتشمل "دياويو داو" التابعة للصين. ثم في عام 1971، وقعت مع اليابان على افتقاية لاسترداد أوكيناوا، تفيد بأن السلطة الإدارية على جزر "ريوكيو" و"دياويو داو" "ستعاد" إلى اليابان. وهذه الاتفاقيات كانت صفقة بين اليابان وأميركا فقط، ولقد لقيت رفضا قاطعا من الصين.

لكن أميركا عادت وأوضحت موقفها في عام 1971، على الشكل الآتي: "تعتقد الولايات المتحدة أن عودة الحقوق الإدارية على تلك الجزر إلى اليابان لا يمكنه، بأي شكل من الأشكال، أن يخل بأي مطالبات أصلية فيها. ولا تستطيع أميركا أن تضيف على الحقوق القانونية التي كانت لليابان من قبل". وفي 25 سبتمبر الماضي، كررت خدمة البحوث في مجلس النواب الأميركي موقف أميركا المحايد في هذه المسألة.

شراء غير قانوني

والتوتر الأخير سببه عملية "شراء" غير قانونية لجزر "دياويو داو" من قبل الحكومة اليابانية. والاحتكاك تسببت به اليابان وحدها، وكانت الصين قد أوضحت موقفها وقلقها لليابان على مستويات عدة، لكن اليابان بقيت متصلبة في موقفها.

و"شراء" اليابان للجزر ليس تطورا منفصلا في هذا السياق. ففي السنوات الأخيرة، اتخذت البلاد خطوات مدروسة لتعزيز ما يسمى "السيطرة الفعلية" على "دياويو داو"، إن على صعيد التسمية، والإنزال، والمسح، أو على صعيد تعديل القانون المحلي الياباني، وإجراء دوريات في الجزر.

وهذا التصرف لا يمنح الصين أي خيار، إلا الرد لكبح التصعيد الياباني.

وإذا كانت اليابان فعلا تريد العيش في سلام مع جيرانها الاسيويين، وأن تكسب الصداقات مع المناطق المحيطة بها، فإنه يتعين عليها أن تأخذ على محمل الجد ما قاله تشرشل. واقترح عليها أن تنظر جديا إلى موقفها وأن تتعلم من تصرفات أوروبا، لا سيما ألمانيا ما بعد الحرب.