بدا رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، في مزاج متفائل أخيراً. كان أنصاره يهللون له باعتباره رجل الدولة الأعظم في البلاد، منذ الأب المؤسس للجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، خلال خطابه أمام مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي، ذي الطابع الإسلامي الجديد.

وعلى امتداد ما يزيد على ساعتين ، خطب أردوغان بصوت عال، متحدثاً عن رسالته، وأقام المقارنات مع الماضي خدمة لشخصه، وطرح كل ما حققه من إنجازات. وما قاله أردوغان يردد كلام رئيس الوزراء البريطاني السابق، هارولد ماكميلان: «لم تكن أوضاعكم في أي وقت مضى بحالة أفضل مما هي اليوم».

قال أردوغان: «قبل وصولنا إلى السلطة في عام 2002 ، لم يكن هناك استقرار اقتصادي ، أو أمان ، أو ديمقراطية في هذه البلاد. ولقد ولت فترة الانقلابات العسكرية إلى غير رجعة. ولقد سمحنا للديمقراطية بأن تحكم بأفضل أشكالها ، في بلاد أغلبية سكانها من المسلمين ، فغدونا مثالاً لكل الدول المسلمة».

نظرة مغايرة

لكن 50 % من الأتراك الذين لم يصوتوا لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة ، التي جرت السنة الماضية ، لا ينظرون إلى الأمر على هذا النحو. يقول نائب زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض ، سزغين طانري قولو: «أردوغان شديد الاستبداد الآن ، ذلك أنه أصبح شديد الثقة بنفسه ، ومواقفه غدت شديدة الخطورة بالنسبة لتركيا والعالم».

لكن الجميع ، ممن يؤيده أو يحط من شأنه ، يتفق على أن أردوغان يهيمن على المشهد السياسي في تركيا.

وشخصية أردوغان وجوهرها ، أكان دكتاتوراً أو ديمقراطياً ، صاحب رؤية أو نذلاً ، مختالاً بفتوته أو مصلحاً ذا كاريزما ، هما أمران مهمان جداً الآن ، أكثر من أي وقت مضى. ولا تقل عن ذلك أهمية معرفة إلى متى يمكنه الإمساك بزمام الأمور ، بعد أن مضى على وجوده عقد من الزمن في السلطة ، ذلك أن المشكلات تتكاثر ، ولأول مرة منذ سنوات ، يبدو رئيس وزراء تركيا ، رجب طيب أردوغان ، في حالة من الضعف.

ومع حلول الربيع العربي في أرجاء الشرق الأوسط ، حظي أردوغان بمصداقية كبيرة ، بوصفه مثالاً وموجهاً. وتم رفع الديمقراطية العلمانية لتركيا المسلمة ، التي تضع إحدى قدميها عند الغرب ، وقدمها الأخرى في الشرق الأوسط ، كمثال يحتذى به. وعندما ذهب أردوغان في رحلة إلى مصر وتونس ، السنة الماضية ، استقبل وهلل له كالأبطال.

الضربة السورية

لكن الحرب الأهلية في سوريا ، وجهت ضربة قوية لمفهوم الزعامة الإقليمية لتركيا ، ذاك المفهوم العزيز على قلبه. ومحاولات أردوغان إقناع الرئيس السوري بشار الأسد اختيار الإصلاح ، وتفضيله على القمع ، تم رفضها بشكل قاطع ، وهو الأمر الذي أخذه على محمل شخصي. كما جرى تجاهل مطالبه الصريحة اللاحقة ، الداعية لتنحي الأسد عن السلطة.

يقول مدير مركز إسطنبول للسياسات ، فوات كيمان: «لقد بخس أردوغان من قدرة الأسد على البقاء في السلطة ، وتعد الأزمة السورية في وضعها الحالي الآن شديد الخطورة ، ليس فقط بالنسبة لتركيا ، بل أيضاً لأنه لديها إمكانية الانتشار إلى لبنان والأردن. وكلما طال أمد الأزمة في سوريا ، ساءت الأمور بالنسبة لأردوغان».

ولقد قطع أردوغان شوطاً طويلاً ، منذ نشأته المتدينة في حي كاسيمباسا العمالي بإسطنبول ، إلى توليه مهام رئيس وزراء تركيا. وفي السنوات الأخيرة ، أحكم قبضته تدريجياً على السلطة ، لتشمل كل المؤسسات التركية. والجيش الذي كان قوياً في ما مضى ، في قلب دولة الظل «للتحالف المعادي للديمقراطية» ، تم تحييده كقوة سياسية في تركيا ، ليس أقله من خلال ما سمي بمحاكمات تآمر مئات من المتهمين ، من خلال التخطيط لانقلابات عسكرية.

دستور جديد

ومن المتوقع أن يسعى أردوغان إلى الرئاسة في عام 2014 ، لكنه لن يفعل ذلك إلا بعد قيامه بسن دستور جديد ، يمنح سلطات جديدة لمنصب الرئيس ، الذي يعد منصباً شرفياً الآن.

يقول محرر صحيفة سابق: «بالنسبة لأردوغان ، لا يشكل انتخابه رئيساً مشكلة بالنسبة له ، فهو يملك شعبية ، وسيكون الأمر سهلاً جداً بالنسبة له ، لكن مشكلته تكمن في كيفية توسيع سلطات الرئاسة ، حيث تنقصه نسبة ثلثي الأصوات التي يحتاجها في البرلمان».

قد تفشل خطته بالتالي ، وسيتعين عليه ، إذا لم يحدث أي تغيير ، أن يضمن قيام رئيس وزراء تركيا المقبل بما يمليه عليه. والمشكلة قد تكمن في امتناع الرئيس التركي عبد الله غول عن القيام بما يريده منه أردوغان ، حيث هناك إشارات إلى ازدياد الهوة بين الاثنين».

وقبضة أردوغان على السلطة قد يقوضها الاقتصاد أيضاً. وكان ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل ثلاثة أضعاف منذ عام 2002 ، ومضي الحكومة ببرنامج طموح من الاستثمار الحكومي في الطرق والإسكان والمدارس والبنى التحتية ، قد أسهم في بناء اقتصاد مزدهر ، وفي زيادة شعبيته ، لكن الناتج الآن بدأ في التراجع.

ويتوقع أحد المحللين الآتي: «كل شيء قد يتغير ، إذا هبط الاقتصاد في تركيا».

القضية الكردية

وقضية أخرى ، قد تكدر على أردوغان سلطته ، هي القضية الكردية التي وعد بحلها ، والتي تبدو الآن في حالة من التصعيد أكثر من أي وقت مضى ، مع تسجيل زيادة هذا العام في هجمات حزب العمال الكردستاني على أهداف في جنوب شرقي تركيا. وفيما يلمح أردوغان إلى عملية استئناف المباحثات ، يبدو مسار السلام الناشئ ، الذي انهار السنة الماضية ، في حالة احتضار.

وفي هذه الأثناء ، هناك الألوف من السياسيين والصحافيين والأكاديميين والناشطين الأكراد ، مسجونين تحت قانون لمكافحة الإرهاب ، بعمليات اعتقال شاملة ، كما يوجد مئات من السجناء الأكراد مضربين عن الطعام ، حسب إحسان كاغار من مؤسسة حقوق الإنسان التركية.

وتدور الشكوك عند البعض حول طموح أردوغان المعلن لتنشئة «جيل تقي» ، وحول روابط حزب العدالة والتنمية بمنظمة إسلامية نافذة لا تتوخى الربح ، هي حركة «فتح الله غولن» ، وبجماعة الإخوان المسلمين ، وحركة حماس في غزة.

 ويشدد المنتقدون لسياسته ، أن هدفه غير المعلن يكمن في قلب التقاليد العلمانية لتركيا ، وفي فرض دولة إسلامية. ويرى المؤيدون له أنه إذا كان هذا الأمر صحيحاً ، فإن أردوغان يسير ببطء شديد نحو تحقيقه ، ويقولون إن كل هذا الضجيج يتعلق بأمور طبقية ، أكثر منها بأمور تخص الدين.

تقول النائبة في البرلمان نورسونا ميميجان: «يسعى من يتفوه بهذه الأمور إلى إيجاد طريقة لانتقاده لا غير ، فأردوغان يريد أن يشمل الجميع ، والمجموعات النافذة لا يعجبها هذا الأمر. وسيستغرق تكيفهم مع الأمر زمناً ، قبل الجلوس إلى جانب أناس فقراء مزارعين من الأناضول ، تفوح منهم رائحة الأبقار ، لذا فإنهم ينشرون شائعات بأن أردوغان دكتاتور ، ويجب إيقافه».

وطرحت أيضاً علامات استفهام حول صحته ، حيث كان قد خضع لعملية في الأمعاء السنة الماضية ، ومن رآه عن كثب حينها ، قال إنه بدا متعباً وموغلاً في السن ، وأكبر من عمره البالغ 58 عاماً.

وإجمالاً ، سيكون من الخطأ الكبير ، افتراض أن حقبة أردوغان قد شارفت على نهايتها ، ليس بعد ، يقول كاتب العمود في صحيفة «ميلييت» التركية قدري غورسل: «نحن نتحدث عن السياسي الأقوى في تركيا ، منذ الزعيم التركي أتاتورك ، فهو عدائي ، ويتبع سياسة فرق تسد.

وهو شعبوي ، والطبقات الفقيرة في المدن معجبة بأسلوبه. وأتباعه هم من السنة المحافظين القوميين من الخلفية الاجتماعية نفسها. وأردوغان مقاتل من الشوارع. وهو من المصارعين في سبيل البقاء ، وسيفوز في النهاية».

نهج إقليمي

وأخيراً ، اكتوت تركيا بالحريق السوري. وشعرت بأن واشنطن وحلفاءها الأوروبيين في حلف شمالي الأطلسي «ناتو» ، قد تخلوا عنها ، بعد رفضهم دعواتها لإقامة مناطق عازلة ، أو منطقة حظر طيران أو تدخل إنساني مسلح. ولقد تدفق إلى الحدود الجنوبية لتركيا حوالي 150 ألف لاجئ سوري.

وتضاءلت التجارة مع سوريا كثيراً ، بعد أن كانت تصل إلى 2.5 مليار دولار في السنة (1.5 مليار يورو). ولقد أطلقت الصعوبات الاقتصادية ، وحالة عدم الاستقرار السياسي في منطقة هاتاي ، وغيرها من المقاطعات الحدودية التركية الأخرى ، والتي تعد موطناً لأعداد كبيرة من العرب العلويين ، الذين يتماهون مع الأقلية العلوية التي تحكم سوريا ، صفارة الخطر في أنقرة.

يقول الصحافي التركي سنجيز اكتار: «السياسة التركية في سوريا ، تعيش حالة من الإرباك ، بعد أن رفض الأسد التنحي عن السلطة السنة الماضية» ، وكان فيض من الأحداث على طول الحدود بين البلدين قد عزز الانطباع بأن الوضع يخرج عن السيطرة.

وعلى هذا الأساس ، بدأت تظهر إشارات واضحة ، أخيراً ، إلى تغيير في المسار من قبل الحكومة التركية ، التي تأمل ، من خلال المصالحة مع الجيران ، التوصل لحل سوري ملزم ، تضمنه القوى الإقليمية.

وفي عمود صحافي في صحيفة «حريت» ، رحب الكاتب سميح ايديز بهذه الخطوة ، وقال: «هذا يمثل تحولاً مهماً من قبل أنقرة.. إذ منذ أشهر قليلة ، كانت أنقرة تنظر ببرودة إلى أي مباحثات حول سوريا».

ومما يثير الاهتمام ، هو أن هذا النهج المتجدد الإقليمي ، من المحتمل أن يتضمن تقارباً مع إسرائيل ، التي انقطعت الروابط معها في عام 2010 ، وسط خلاف مرير حول وفاة تسعة ناشطين أتراك على متن أسطول سفن المساعدات المتجه إلى غزة ، بعد أن انقض عليه قوات خاصة إسرائيلية.

وتخوفاً من أحداث قد تندلع عبر الحدود عند مرتفعات الجولان ، قامت إسرائيل بجس النبض دبلوماسياً ، واقترحت وضع خلافات تل أبيب وأنقرة القديمة في هذا الوقت جانباً ، وأن يعملا معاً.

وفي حديثه إلى صحيفة «غارديان» البريطانية ، قال وزير خارجية تركيا أحمد أوغلو ، «إن تركيا كانت تعتقد دوماً بالنهج الإقليمي ، وكانت مستبشرة في أن تكون روسيا جزءاً من الحل».

وفيما رفض أي تلميحات إلى فشل سياسته السورية ، بقي متصلباً في موقفه ، بأنه يتعين على الأسد أن يتنحى ، في سبيل التوصل لحل دائم ، وقال: «كل يوم أسأل نفسي ، ماذا كان يمكن القيام به أكثر مما قمنا به لمنع سفك الدماء؟. لقد قمنا بكل شيء ، حاولنا التعامل الثنائي مع النظام لإقناعه بالمسار الانتقالي ، ومساعدته للتوجه إلى نظام ديمقراطي..

ولقد وافق الأسد على خطتنا ، الخطوة الخطوة ، لكن بعد مرور يومين أو ثلاثة ، لم يف بوعده. وأدركنا أنه يخدعنا ، ويحاول أن يسيء استخدام علاقته معنا».

وأضاف: «وما زلنا منخرطين إقليمياً في علاقة مع دول المنطقة الأخرى. ولن يكون أمراً أخلاقياً البتة ، أن نستمر في تعاملنا مع الأمور كالمعتاد. لقد كانت سياستنا محقة على المستوى الأخلاقي والاستراتيجي.

إنها محقة أخلاقياً ، لأننا إلى جانب حقوق الإنسان ، والتطلعات المحقة للشعب السوري. واستراتيجياً إنها محقة ، لأننا إلى جانب التاريخ. وفي نهاية اليوم ، هذا النظام لا يمكنه الاستمرار ، كما هو على هذا المنوال ، والحكومة الجديدة المنتخبة لسوريا ستكون الصديق الأفضل لتركيا».

 

 

حل سوري بضمانة القوى الإقليمية

 

 

 

يقول الصحافي التركي سنجير أكتار: «تعيش السياسة التركية في سوريا حالة من الإرباك ، بعد أن رفض الأسد التنحي السنة الماضية ، ذلك أن الأتراك كانوا يتوقعون منه أن يسير على خطى الرئيس المصري السابق حسني مبارك في مصر ، أو الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في ليبيا ، أو الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي ، الذي هرب إلى المنفى».

ومما يزيد الوضع سوءاً ، أن المسؤولين الأتراك واثقون من أن النظام السوري ، رداً على الدعم التركي للجيش السوري الحر ، يعمل على مساعدة وتحريض المقاتلين الانفصاليين لحزب العمال الكردستاني ، الذين ازدادت هجماتهم المروعة في جنوبي تركيا ، ووصلت إلى ذروتها منذ حوالي 10 سنوات.

وكان فيض من الأحداث على طول الحدود التي تبلغ 560 ميلاً ، قد عزز الانطباع بأن الوضع بدأ يخرج عن السيطرة. فالقوات التركية تبادلت إطلاق النيران مع القوات السورية بشكل متكرر ، بعد سقوط قذيفة سورية على بلدة على الحدود ، أخيراً.

وكان شجار دبلوماسي قد اندلع أيضاً ، بعد قيام طائرات تركية بإجبار طائرة ركاب سورية على الهبوط في تركيا ، خلال طريقها من روسيا إلى دمشق.

والآن ، بدأت تظهر إشارات واضحة إلى أن الحكومة تغير مسارها ، وتأمل الحكومة التركية ، من خلال المصالحة مع الجيران في التوصل لحل سوري ملزم تضمنه القوى الإقليمية. ويشمل هذا النهج الجديد ، إقامة مجموعة من آليات لمباحثات موازية ، تجلب إليها الدول التي تريد استقالة الأسد والدول التي ترفض تغيير النظام بالقوة.

 

 

 

مقايضة روسية

 

 

 

بعد أن منع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من ولاية رابعة ، من المتوقع أن يسعى إلى الرئاسة في عام 2014 ، ولن يفعل ذلك إلا بعد قيامه بسن دستور جديد ، يمنح منصب الرئاسة ، الذي يعتبر منصباً شرفياً ، سلطات جديدة.

وتدور فكرة أردوغان العملية حول قيام الرئيس التركي عبد الله غول بالتنحي ، أو الموافقة على العمل كرئيس للوزراء من دون سلطات ، وهي مقايضة شبيهة بتلك التي جرت بين رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيدف ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في روسيا. وبالطبع ، غالباً ما يشبه النقاد أردوغان ببوتين ، وهذه المقارنة بالتأكيد لا تنطوي على إطراء.

بالنسبة للطبقات الوسطى الليبرالية في تركيا ، من الانتلجنسيا الموالية للغرب ، وأتباع آتاتورك «الكماليين» من المدرسة القديمة ، والقوميين من الجناح اليميني ، الذين يمثلون المعارضة المنقسمة على نفسها ، تشكل خطة أردوغان «انقلاباً دستورياً».