لم يكن القتال الأشد وطأة في الحرب الدائرة في سوريا، لكنه كان قتالاً من النمط الذي درجت عليه الحرب هناك، فقد انطلقت، أخيرا، أربع قذائف من دبابات النظام السوري لتسقط على مواقع للثوار، الواحد تلو الآخر، لكن الثوار كانوا في مأمن منها، حيث إنهم سبق أن تراجعوا خمسين مترا عن الطريق.

وفي اليوم التالي، جاءت طائرة نفاثة، وأنهت المهمة. يقول مهنّد وهو يقف بالقرب من أنقاض ثلاثة منازل في حي كرم الجبل في حلب: "كان جنود النظام هنا منذ ثلاثة أيام، ولقد قمنا بدحرهم، وانظروا كيف رد النظام على ما جرى".

لم تسفر الضربة الجوية عن سقوط وفيات أو جرحى، بل مجرد شارع آخر تم تحويله إلى غبار وكتل من الحطام، وعائلة أخرى تبكي منزلها الذي التحق بعدد كبير من المنازل الأخرى. لم تكن معركة بكل معنى الكلمة، لكن أيضا لم يكن ما حدث مثالاً لوقف اطلاق النار.

مزيج من التناقضات

وكانت هدنة الأربعة أيام، مثل أمور أخرى في هذه الحرب، عبارة عن مزيج من التناقضات. لم يجر قبولها بسهولة، ولم يجر رفضها كلياً. وقد يكون من الخطأ القول إنها لم تخدم أي هدف على الإطلاق، فأعداد الوفيات في اليومين الأولين كانت أقل من المتوسط خلال الأشهر السابقة.

والآن تستمر حرب الاستنزاف البطيئة، من قبل الثوار على الأرض، ومن قبل الحكومة من أعلى.

وكانت هناك ضربات جوية من قبل النظام، أخيراً، ما يوازي 60 ضربة على أقل تقدير، بحسب ناشطين مناوئين للنظام، طالت شمال حلب إلى جانب بلدات وقرى أخرى على امتداد البلاد. واستناداً إلى المعارضة السورية، فقد سقطت قذيفة أطلقتها قوات النظام على حافلة في ضواحي دمشق، مما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص.

وكان هناك هجوم بالقنابل على بلدة جرمانا المختلطة من طائفتي المسيحيين والدروز قرب دمشق، شنه على الأرجح مسلحو جبهة الأنصار، وهي مجموعة متشددة متعاطفة مع الثوار، لكنها لا تعمل تحت هيكلية قيادة الجيش السوري الحر، ولقد أسفر الهجوم بحسب مصادر حكومية عن مقتل 10 أشخاص، كما قتل ما لا يقل عن 80 شخصا على امتداد البلاد.

وفي حلب، قضى اثنان من الجيش السوري الحر في القتال عند الطرف الجنوبي من المدينة، داخل الشبكة الشديدة التشعب للخطوط الأمامية لهذه المدينة الآن. كما سقط جرحى آخرون، حيث تعرض رجل لجروح عميقة في فخذه من أعيرة نارية، وتم نقله إلى أحد المستشفيات التي لا زالت تعمل في مناطق الثوار.

الحرب غير الحقيقية

لكن إذا كان وقف إطلاق النار الأخير غير حقيقي، فإن الحرب هناك أيضا غير حقيقية.

فالثوار يؤكدون أن الضربات الجوية للنظام تستخدم لمنعهم من تعزيز مكاسبهم، وكان هذا بالتأكيد هدف القصف الذي أنهى الاشتباكات في كرم الجبل، لكن الضربات لم تكن مكثفة ومنتظمة بما يكفي لإجبار الثوار على التراجع أيضا.

ومنذ ثلاثة أشهر، عندما هجم الجيش السوري الحر على حلب، وعلى ضواح عدة من دمشق، بدت نهاية اللعبة وشيكة. واعتقد الثوار أن بإمكانهم السيطرة على حلب، والسير منتصرين جنوبا. وزعم النظام أن "الإرهابيين" بعد أن كمن لهم في مخابئهم، سوف يسحقون تحت ضربات أسلحته وتعداد جنوده، المتفوقين على الثوار. وأبواق الحكومة تحدثت عن 20 الف جندي سيسيرون نحو حلب ويحاصرونها، لكن معظم هؤلاء الجنود لا يمكن رؤيتهم في أي مكان.

وفي حمص، كانت الحكومة على وشك الاستيلاء على الحيين الأخيرين، اللذين يسيطر عليهما الثوار منذ شهر فبراير الماضي، لكنها فشلت في القيام بذلك إلى الآن، وهكذا دواليك في حلب وعلى أطراف مركز المدينة، على بعد مئة ياردة من مقر الشرطة الذي تسيطر عليه قوات النظام، قال أحد الثوار، ويدعى محمد زكريا، إن المعركة لا زالت في مكانها منذ حوالي الشهر.

والمفاوضون كانوا يحاولون إقناع رجال الشرطة والجنود بالانشقاق، لكن لم ينشق في النهاية إلا 13 منهم.

يقول زكريا: "لا أعتقد أننا سنشن هجوماً، ولا أدري ما السبب وراء ذلك"، ولقد انطلقت رصاصات بالقرب منه، لكن من أين ومن تستهدف بالتحديد، فإن هذا لم يكن واضحاً.

الانتصارات المؤجلة

وقد يكون جوهر الأمر أن الطرفين لا يملكان الموارد لخوض قتال للاستيلاء على مدينة بحجم حلب، أو حتى بلد بحجم سوريا. وبناء على ذلك، لا يوجد عمل حاسم في الأفق، وكثير من السوريين متروكون للتفاوض على حالة صعبة من الجمود.

تلعب مجموعة من الأطفال على أرجوحة على بعد 300 ياردة من الخطوط الأمامية للمدينة، تشرف عليها منازل تمتلئ شرفاتها بالثقوب، وأمهات قلقات يطللن من ندوب أسطح المنازل. يقول عادل أبو غيث الذي يبلغ من العمر 28 عاما، إنه نقل زوجته وطفله إلى منزل والديه وراء خطوط قوات الحكومة عندما بدأ القصف، وأعادهما، أخيرا، ما إن بدأ اطلاق النار هناك أيضا.

ويقول إن الأمر لا يتعلق بكونه يفضل الثوار، بل يتعلق بالمنطقة التي تبدو أكثر أمناً. وهو شخصياً يقف على الحياد، ويضيف: "أتوكل على الله، فهو خير من يتوكل عليه، ونأمل أن ينصر الله الحقيقة، لكن ما هي الحقيقة في هذه اللحظة، فهذا ما لا يبدو واضحاً إلى الآن".