تجاوز عدد القتلى في سوريا 35 ألف شخص، وأحيانا يضاف أكثر من 250 قتيل يومياً إلى هذا الرقم. وإذا امتدت الحرب إلى سنوات، كما يبدو مرجحا الآن، فان مدن سوريا العظيمة ستتحول إلى أنقاض، وكل الشرق الأوسط سيختنق من الغبار المتطاير منها.

وفي سبيل منع هذه الكارثة، يحتاج حلف شمالي الأطلسي "ناتو" إلى البدء بطرح قضية الدفاع عن التدخل في سوريا لأهداف استراتيجية وإنسانية. فشل حركة سلاح الجو التابع للرئيس السوري بشار الأسد يمكنه أن ينقذ الألوف من الأرواح، ومنح الثوار مجالا للتنظيم والتدريب يمكنه المساعدة في إنهاء الحرب، وتسريع سقوط النظام يمكنه أن يعطي سوريا الفرصة لانبعاثها مجددا كدولة في سلام مع نفسها ومع جيرانها.

دواعي التدخل

ولا أحد يجادل لصالح التدخل اكثر من تكتيكات بشار الأسد الوحشية. فمنذ البداية لجأ إلى العنف الشديد، عندما قام جنوده بإطلاق النار على متظاهرين سلميين. ولقد أدى مزيج من اليأس والحصانة إلى انتقاله من استخدام الأسلحة الثقيلة إلى المروحيات الحربية، وغيرها.

ولقد غذى الأسد أيضا الصراع الطائفي لربط الأقليات بقضيته. و"شبيحته" زرعوا الانقسامات من خلال عربدة القتل والاغتصاب. ومما يثير الحزن أن هذه الكذبة الطائفية مع مرور الوقت بدأت تتحقق. فقد بدأ متشددون في خوض القتال، وباشر الثوار بارتكاب أعمال وحشية. ومع تضاؤل مشاعر التسامح، يتضاءل الأمل في خروج سوريا من حكم الأسد بلدا بشكل لائق.

وأخيرا، يعمل الأسد على زعزعة المنطقة، فبعد حشده الدعم الروسي، أعد الأرضية لحرب بالوكالة لا نهاية لها. ولقد تبادلت قواته تراشقا للنيران مع تركيا، في الوقت الذي يتدفق اللاجئون إلى الحدود السورية، وتزداد النزعة القومية بين الأكراد، ويتصاعد التوتر الطائفي في العراق.

وتواجه سوريا حربا أهلية طائفية عنيفة طويلة الأمد ستحصد عشرات الألوف من الأرواح، وتترك الأسلحة الكيماوية والبيولوجية غير محمية، وتزعزع منطقة على درجة كبيرة من الأهمية الاستراتيجية. ومن واجب ومصلحة العالم الخارجي منع هذا الأمر. لكن حتى إذا كان التدخل الآن الخيار الأقل دموية، فإنه مع ذلك يبقى دمويا.

منطقة حظر طيران

ومن الناحية العسكرية الصرفة، فإن المهمة لها جدوى. وبإمكان "ناتو" فرض منطقة حظر طيران فوق سوريا. ومن الممكن أن تبقى طائرات الأسد على الأرض، لمجرد التهديد بتدمير طائرة سورية واحدة، لكن المخططين العسكريين في أميركا قد يصرون على تدمير الدفاعات الجوية للأسد بكل الأحوال. ويتمثل القلق الأكبر في معرفة ماذا سيحصل بعد إقامة منطقة حظر طيران.

فالتدخل هو منحدر زلق، حتى لو كان الهدف منه حماية المدنيين السوريين، ومن المحتمل أن يتحول بسرعة إلى سياسة للإطاحة بالأسد. ولا أحد بإمكانه معرفة إلى متى سيستمر الأسد في القتال. ربما ضباطه سيعدون لانقلاب عسكري بعد شعورهم بمدى يأس قضيتهم. وإذا لم يحدث هذا، فانه من المحتمل أن يقاتل الثوار شهوراً طويلة لإخراجه. وهذا الأمر سيشكل اختبارا لعزيمة الغرب، وسيكون الخيار الأفضل بدلا من حرب استنزاف تدوم لسنوات.

واحتمال حصول الغرب على دعم في مجلس الأمن يعد احتمالا ضئيلا، لأن روسيا ستقف بالمرصاد. لكن تحالفا بقيادة أميركا يمكنه أن يستحث مسؤولية العالم في حماية المدنيين ضد حكوماتهم المستبدة، بإجراء تصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مما يؤمن تغطية دبلوماسية، بل حتى قانونية للتدخل.

كسب الدعم العربي

والأمر الأكثر أهمية يتمثل في كسب الدعم العربي الضمني على الأقل، لاسيما من الرئيس المصري محمد مرسي، الذي دعا إلى سقوط الأسد، على الرغم من انه لم يقبل بعد الحاجة إلى قوة خارجية. ولن تكون هناك قوة غازية على الأرض، ولن يكون.

ونحن لا ننظر باستخفاف إلى دعوة العالم لخوض هذه العملية التي تنطوي على مخاطر. لكن استقرار الشرق الأوسط وإنقاذ أرواح لا تحصى من السوريين، يجب أن لا يكونا رهينة للعناد الروسي. ومع انجرار الصراع الدموي شهرا تلو الآخر، فان المناشدات للتحرك تتصاعد. وكلما أسرع العالم في التدخل، ازداد احتمال إنقاذ المزيد من الأرواح، وازدادت فرصة جمع سوريا ككتلة واحدة مجددا.