خصصت واشنطن حوالي 100 مليار دولار للتنمية والإعمار في أفغانستان التي بقي من حربها عامان على وجه الدقة قبل أن تضع أوزارها، ولكن قدرة حلف "ناتو" على تشكيل الأحداث قد وصلت إلى النهاية إلى حد كبير، حيث بلغ القتال مرحلة الجمود، ودخلت مفاوضات السلام في نفق مسدود، وانقلبت الحوادث التي تشهدها قوات الأمن الأفغانية ضد حلفائها الدوليين.
ويقول المسؤولون إن المجهود الحربي والدعم مستمران في أفغانستان، ولكن هناك مؤشرات محدودة على أنها سوف تسفر عن نتائج مختلفة، وبدلا من التساؤل عما يمكن للمجتمع الدولي القيام به في أفغانستان بالإضافة إلى ما فعله، فإن السؤال المطروح الآن ربما كان: "ما نوع التراث الذي سيتركه العقد المنصرم من التأثير الدولي في أفغانستان ، وإلى أي مدى يمكن أن يدوم؟"
بلد مختلف
ومنذ غزو أفغانستان في أكتوبر 2001 ، خصصت واشنطن حوالي 100 مليار دولار للتنمية والإعمار هناك، على الرغم من المشكلات المتعلقة بالغش والفساد وسوء الإدارة ، فإن أفغانستان تعد بلدا مختلفا عما كان قبل 11 عاما، فقد أوجد الاستثمار قوة أمنية أفغانية قوامها 352 ألف رجل، وزادت نسبة من يحصلون على الكهرباء من 6 % إلى 18 % من سكانها. وهناك الآن 3.2 ملايين طفلة في المدارس بعد أن كان عددهن يزيد قليلا على 5000 طفلة في ظل حكم طالبان.
وعلى الرغم من ذلك، فإنه على امتداد البلاد هناك مؤشرات عديدة إلى أن الكثير من الأفغان لا يثقون كثيرا بالمستقبل، فقد تم إخراج 8 مليارات دولار في صورة أموال سائلة من البلاد خلال العام الماضي. ويقول المتعاملون في العقارات إن الأفغان أوشكوا على التوقف عن شراء الأرض، وهو الاستثمار البارز في هذا المجتمع الزراعي إلى حد كبير.
النموذج السوفييتي
ولكي نفهم بشكل أفضل الطريق الممتد إلى المستقبل في أفغانستان، فإن نظرة إلى الوراء على التجربة السوفييتية يمكن أن تساعدنا إلى حد كبير.
يقول توماس غوتيير مدير مركز الدراسات الأفغانية في جامعة نبراسكا في الولايات المتحدة:" كان السوفييت نشطين للغاية وفعالين إلى حد كبير في مشروعات التنمية في المناطق الحضرية، أي رصف الطرق، بناء المباني الحكومية وأشياء من هذا القبيل."
وقد عجز غوتيير، الذي عمل في أفغانستان لأول مرة في 1964، عن زيارتها خلال السنوات التسع التي استغرقتها الحرب الروسية، ويقول إنه يتذكر عودته بعيد انتهاء الحرب ليجد أن العديد من المدن الكبرى، مثل كابول وجلال أباد وحيرات، قد غيرتها مشروعات التنمية السوفييتية كشبكة الطاقة بشكل ملحوظ، وحسنت وعبدت طرق جديدة وتم توسيع مشروعات الإسكان. وفي غضون ذلك كانت هناك تغييرات لا تظهر بسهولة ، حيث بعث الروس بطلاب أفغان للدراسة في الاتحاد السوفييتي، بل وأرسلوا رائد فضاء أفغاني إلى الفضاء.
ويقول محمد غريف، وهو جنرال سوفييتي سابق، كان مستشارا للرئيس الأفغاني الأسبق محمد نجيب الله:" لقد أقمنا مشروعات زراعية وأخرى صناعية ومدارس وجامعات". ويضيف إن الأفغان يتذكرون المرحلة السوفييتية بمزيد من الدفء على الرغم من أن هناك آخرين كثيرين يخالفونهم في هذا التقييم.
وبعيد الانسحاب الروسي عام 1989 ، تردت أفغانستان في هوة حرب أهلية أطاحت بمعظم العمل لذي أنجزه السوفييت ، وعندما تولت طالبان مقاليد السلطة في 1996، أعدمت نجيب الله بصورة وحشية وتركت المحاولات السوفييتية لتحسين الحكم ، بل وتحسين أحوال الأفغان أنفسهم، وتحول كل شيء لما يوشك أن يكون دمارا شاملا.
ويقول رحمة الله،، وهو صاحب حانوت في كابول:" تعرض كل شيء للتدمير خلال الحرب الأهلية ، فنهبت الأسواق وقطعت الكهرباء ودمرت الطرق وتعرض كل شيء للتخريب".
الفارق في التمويل
اليوم يميل أولئك الأفغان إلى الحديث بمودة عن العمل التنموي السوفييتي، ويسلمون بأن نطاق هذا الجهد كان محدودا مقارنة بالعمل الذي ينفذه المتبرعون الدوليون الآن.
وقد أنفقت الولايات المتحدة وحدها 100 مليار دولار على الإعمار في أفغانستان، بينما كان السوفييت ينفقون حدا أقصى قدره 21 مليار دولار سنويا، الأمر الذي يبرر التضخم في مجهودهم الحربي بكامله في أفغانستان بما في ذلك القتال والتنمية.
وقد أدى التدفق الكبير للإنفاق الدولي إلى انتشار الفساد وأوجد مشكلات أخرى، ولكنه أيضا سمح بنطاق أوسع من العمل مقارنة بما تم في ظل الوجود السوفييتي.
وعلى الرغم من أن المهمة القتالية ل"ناتو" سوف تنتهي في 2014، فإن القوات الأميركية يتوقع أن تبقى في أفغانستان تحت مسمى آخر حتى 2024، وذلك على العكس من السوفييت الذين انسحبوا بكاملهم.
وقد يؤدي تدفق الأموال الأجنبية نفسه الذي ساعد على تنمية كابول إلى حمايتها من الحرب الأهلية، فبعد الحرب السوفييتية وجهت الميليشيات التي سلحتها الولايات المتحدة تسليحا ثقيلا ، أسلحتها بعضها ضد بعضها الآخر، فدمرت جانبا كبيرا من البلاد.
أما الآن فإن هؤلاء القادة قد استفادوا ماليا من عقود التنمية الخارجية والإنفاق الأمني، والأفغان الشبان الآخرون الذي شكلوا ميليشياتهم الخاصة وأصبحوا في بعض الحالات مليونيرات لديهم الآن ما يخشونه إذا اندلعت حرب شاملة في أفغانستان.
