قام الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، خلال ولايته الثانية، عندما بدأت الواقعية الدبلوماسية في التغلب على النزعة العدوانية الحمقاء، بتطوير أحد ألقابه التي أغدقها على الصحافيين الأكثر تشددا بين المحافظين الجدد، وهما وليام كريستول وتشارلز كراوثامر، فلقد دعاهما "فتية قاذفات القنابل".

كان هذان الصحافيان عازمين على إطلاق جماح القوة الأميركية في أي مكان من العالم، وفي أي وقت، لاسيما في الشرق الأوسط. وكانا أكثر سوءا خلال إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهما يدقان طبول الحرب، التي لا نهاية لها، في كل من العراق وايران وأفغانستان وسوريا.

لذا انتاب المراقبون الفضول لرؤية كيف كانت ردة فعلهما لأداء المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية، ميت رومني، الأشبه بغاندي في المناظرة الرئاسية الثالثة، حيث اتفق مع سياسات الرئيس أوباما على كل ما يتعلق بالأمور السالفة الذكر. ولقد أحبا ما قالاه. قال كريستول إنه كان رئاسيا، فيما قال كراوثامر إنه كان استراتيجيا.

تأثير المحافظين الجدد

لكن المراقبين يشككون في ذلك. ويرون أن السبب وراء تراجع رومني السنة الماضية عن عجرفة المحافظين الجدد، يتمثل في أن الناس لا تحب تلك العجرفة. والناخبون المؤيدون لنزعة المحافظين الجدد في المناطق النائية يعدون على الأصابع، وذلك لسبب وجيه. فلقد برهنت سياستهم على أنها إخفاق دموي على مدى العقد الماضي، أما سياسات أوباما الأكثر رزانة ومتعددة الأطراف، فهي أكثر نجاحا على الرغم من طابعها الفوضوي العام. والفوضى امر لا مجال لتفاديه في الشرق الأوسط.

هكذا كان رومني متفقا مع الرئيس على إحدى عشرة نقطة خلاف سابقة، وكلها تقريبا تمثل هروبا يائسا من المواقف التي تبناها "فتية قاذفات القنابل".

واعتقد أن أداء رومني يجب أن يثلج القلب. فقد يعني أن حقبة المحافظين الجدد أوشكت على نهايتها. لكن التأثير المستمر المشوه للطائفة السياسية الصغيرة تلك كان واضحا خلال المناظرة بطريقة أخرى: فلقد تم ذكر إسرائيل 34 مرة، أما الهند التي تعد حليفا أساسيا للولايات المتحدة، لاسيما فيما يتعلق بالتهديد الإرهابي المنبثق من باكستان، فلم تذكر إطلاقا. وأزمة اليورو التي يمكن أن يكون لها تأثير عميق في مستقبل أميركا الاقتصادي لم تذكر قط. وقضية تغير المناخ، التي قد تكون مسألة وجودية عالمية، لم تذكر على الإطلاق.

فإسرائيل صديق وحليف للولايات المتحدة، وتعد أحد اكثر الاقتصادات نشاطا وقوة عسكرية في العالم. وهي، من دون شك، أقوى دولة بين جيرانها، ويمكنها الدفاع عن نفسها. ومع ذلك، يبدو المحافظون الجدد مهووسين بالتهديدات لإسرائيل، ويخلطون بشكل أحمق تلك التهديدات بمسائل الأمن القومي الأميركي. والمحافظون الجدد أيدوا الحرب على العراق لأنها ستجعل العالم اكثر أمانا بالنسبة لإسرائيل. ويوجد هناك محافظون جدد يقولون إن على أميركا أن تنأى بنفسها عن تركيا، التي تعد حليفا مهما، لان علاقتها بإسرائيل قد تدهورت.

حماقة استخدام القوة

وهؤلاء ليسوا وحدهم من يدفع نحو سياسة خارجية ممركزة حول إسرائيل. ويؤمن المسيحيون الإنجيليون بتعظيم إسرائيل باعتباره تحقيقا لنبوءة الكتاب المقدس. لكن المحافظين الجدد، الذين غالبا ما يظهرون واقعية مثيرة للإعجاب عندما يتعلق الأمر بإحلال الديمقراطية مكان الدكتاتوريين على امتداد العالم، فيقدمون الأساس المنطقي الفكري فيما يتعلق بحماقة استخدام القوة في الخارج. انهم يملؤون حملات الجمهوريين بخبراء في السياسة. وهؤلاء الخبراء، من أمثال مستشار رومني، جون بولتون، يميلون إلى أن يكونوا منظرين مبسطين للأمور بشكل خطير. وهم يعتقدون انه ما زال بإمكاننا تقرير الأحداث في الشرق الأوسط وفي أي مكان آخر عن طريق استخدام القوة. ولقد افترض كراوثامر "عالما أحادي القطب"، وفي هذا القول جزء يسير من الحقيقة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالقوة العسكرية. لكننا نعرف الآن أن قوة السلاح تأتي بنتائج عكسية، إلا اذا استخدمت بطريقة قانونية وتعاونية، في عالم ما زال حساسا إزاء النهب الاستعماري العنصري.