عندما نالت الهند استقلالها منذ 65 عاما، كانت لدى قادتها رؤية لمستقبل البلاد. كان حلمهم، في جانب منه، مثيرا للإعجاب ونادرا في قارة آسيا: الديمقراطية الليبرالية. وبفضلهم، يتمتع الهنود في معظمهم بحرية الاحتجاج والتعبير والتصويت والسفر والصلاة كيفما وحيثما يشاؤون، ولقد ضمنت تلك الحريات بأن من يقود البلاد هم مدنيون منتخبون وليس جنرالات أو جواسيس أو رجال دين أو أحزابا تختار ذاتها.
لكن الجزء الاقتصادي من هذه الرؤية كان فاشلا. ولقد ترك زعيم حركة الاستقلال، المهاتما غاندي، وأول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو، وابنته أنديرا غاندي البلاد في حالة من التبجيل للفقر، من خلال إيمانهم بالاكتفاء الذاتي وبالدولة المزهوة بنفسها، مما حكم على الهند البقاء عند معدل نمو نسبته 3-4% في الناتج المحلي الإجمالي السنوي، والذي عرف بـ"معدل النمو الهندوسي"، وذلك خلال الجزء الأهم من نصف قرن الماضي.
إصلاحات غير مكتملة
وأدى هذا إلى أزمة في ميزان المدفوعات قبل 21 عاماً، وأجبر الهند على التغير. وبتوجيه من رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، ةكان حينها وزيرا للمالية، حررت الحكومة الاقتصاد، وألغت التراخيص وفتحت الباب للتجار والمستثمرين. وكانت النتائج وقتئذ مذهلة. ولقد أوجدت صناعة الخدمات المزدهرة شركات من الطراز العالمي. وانتعش الاقتصاد، وتلت ذلك زيادة في الثروة والمكاسب الاجتماعية، وتراجعت الأمية وازداد متوسط العمر المتوقع، كما ارتفعت المداخيل.
لكن الإصلاحات لم تذهب بعيدا. فالسياسة الهندية لا زالت تحبط الاستثمارات الأجنبية وتمارس التمييز ضد الشركات الكبيرة الكفؤة. كما تسيطر الحكومة على مجالات واسعة من الاقتصاد، فيما يشوه الدعم الأسعار.
وعلى الرغم من أن صناعة الخدمات في الهند توظف الملايين من العمالة المهرة، فإن البلاد فشلت في إيجاد قاعدة صناعية كبيرة، كتلك التي اجتذبت العمالة غير المهرة في الصين إلى الاقتصاد المنتج. والفساد في القطاع العام معيق للأعمال، فيما تعجز الحكومة عن أداء وظائفها الأساسية في مجال الصحة والتعليم. وبالتالي، فإن مزيدا من الناس محكوم عليهم البقاء في براثن الفقر في الهند، وأفق خروجهم من هذا الوضع يتراجع في ظل المستقبل الاقتصادي للهند، فيما ينخفض النمو ويرتفع التضخم والعجز الحكومي. وفي سبيل تقليص المشكلات وزيادة معدلات النمو في البلاد، فإن هناك حاجة للقيام بمزيد من الإصلاحات. وتحتاج قوانين العمل التي تسهم في جعل العمال الهنود أكثر كلفة على أصحاب العمل إلى إلغاء. كما يفترض تخفيف قوانين الاستثمار الأجنبي، وتقليص دور الدولة في قطاع الطاقة والفحم الحجري وسكك الحديد والطيران الجوي، وتغيير القواعد القديمة من الحقبة البريطانية حول شراء الأراضي.
ممانعة سياسية
هناك إجماع واسع بين الاقتصاديين على أن الإجراءات السياسية المطلوبة يوجد ممانعة قوية لها بين السياسيين. ولقد خسرت حكومة سينغ حليفها الأقوى في التحالف، لأنها تجرأت على رفع سعر الديزل المدعوم، وسمحت بدخول محال السوبرماركت الكبيرة تحت شروط مشددة.
يقول البعض إن الديمقراطية هي المشكلة، لكن عددا كبيرا من الديمقراطيات، من البرازيل مرورا بالسويد إلى بولندا، تعرض لتبني إصلاحات قاسية. والمشكلة هي في النخبة السياسية الهندية.
ويحتاج السياسيون الهنود إلى تبني هذه الرؤية الاقتصادية وصياغتها للناخبين. وسينغ قام بكل ما في وسعه، لكنه في نهاية المطاف، بيروقراطي في الصميم وليس زعيما. وبقايا سلالة نهرو غاندي التي لا زال كثير من الهنود يتطلعون إليها بشكل طبيعي، لا تقدم أي قيادة للبلاد، ربما لأن هذه القيادة غير موجودة في وسطها، أو ربما لأن لدى العائلة الكثير لتخسره في مقابل التخلي عن الرؤية القديمة الفاشلة. وسونيا غاندي، كنة حفيد نهرو، ورئيسة حزب المؤتمر في الظل، تظهر حماسا لمشاريع الرعاية، لكن ليس للإصلاحات التي توجد الوظائف. وإذا كان ابنها راؤول، الوريث الذي يبدو انه سيقود حزب المؤتمر، يفهم الحاجة إلى اقتصاد ديناميكي، فإنه لا توجد طريقة لمعرفة ذلك، لأنه لا يتحدث كثيرا.
وهؤلاء الأشخاص يعوقون تقدم الهند، ولقد آن الأوان لنفض الماضي ودفنه. فالبلاد تحتاج إلى سياسيين يرون الاتجاه الذي يفترض أن تمضي به البلاد، ويفهمون الخطوات الصعبة المطلوبة، وبإمكانهم إقناع أبناء وطنهم بأن الرحلة جديرة بأن تخاض. وإذا وجد مثل هؤلاء القادة، فإنه لا يوجد حدود للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه الهند.
دواء مزعج
إذا كان الناخبون في الهند لم يقتنعوا بفكرة الإصلاحات، فإن هذا يعود لأن السياسيين قدموها إليهم على أنها دواء مزعج، لكنه ضروري لدرء الأمراض الاقتصادية، بدلاً من تقديمها كوسيلة لتحقيق حلم.
وبطرق عدة، تبدو الهند كثيرة الشبه بأميركا في أواخر القرن التاسع عشر، فهي كبيرة ومتنوعة وعلمانية ومادية ومتسامحة، وديمقراطية. ودستورها يوازن بين السلطات الحكومية المركزية وبين السلطات الكبيرة على مستوى الولايات. ويأتي مع النمو في المدن وزيادة التعليم وصعود الشركات الكبرى تغيير اجتماعي سريع. وقد يصبح البارونات لصوصاً بثراء فاحش وذوق سيئ تجاه الجهات السياسية المانحة، وفي الوقت نفسه أهل خير وداعمون للتعليم.
ولكي تفي الهند بوعودها، فإنها تحتاج إلى إيجاد نسختها الخاصة على خلفية هذا الحلم الأميركي. وعليها أن تلتزم ليس فقط بالحريات السياسية والمدنية، لكن أيضاً بالتحرير الاقتصادي الذي سيسمح لها ببناء اقتصاد منتج ومنافس ومنفتح.
