ينطوي القيام بتنبؤات سياسية في الهند على مخاطر. فالحزب الحاكم في دلهي غالباً ما يعاني من انتكاسات، إلى درجة يصعب معها الاعتقاد بأن الناخبين سيدعمونه مجددا، وهذا كان وضع حزب المؤتمر الوطني الهندي في عام 2009، ومع ذلك أعيد انتخابه بتفويض أكبر من ذي قبل.

والسياسة في الهند متشعبة وفوضوية، ومن المحتم أن تكون لدى مئات الملايين من الناخبين، بخلفيات متنوعة، وجهات نظر مختلفة على نحو واسع. وغالبا ما تطغى الشؤون المحلية وعلى مستوى الولاية على الاهتمامات الوطنية، كما يمكن أن تعكس القضايا الوطنية مزيجاً من المنافسات المحلية المتنوعة. ومن المقرر أن تجري الانتخابات العامة المقبلة في عام 2014، إلا إذا أجبر حزب المؤتمر على الخروج من سدة السلطة في وقت مبكر. واحتمالات انتخاب الحزب مجددا تبدو ضعيفة. فرئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، الذي كان فيما مضى نموذجا للاستقامة، تلطخت سمعته بسبب توليه رئاسة الحكومة الأكثر فسادا في تاريخ الهند المستقل.

مكامن الضعف

وكالعادة، خسر الحزب الحاكم في الولايات الكبيرة. ويعاني حزب المؤتمر في ولاية "اندرا براديش" التي أمنت نوابا له في عام 2009 اكثر من أي ولاية أخرى، من التشظي بعد مغادرة زعيم محلي صفوف الحزب. والمؤتمر أيضا كان أداؤه سيئا في الولاية الكبيرة "اوتار براديش"، حيث حل في المرتبة الرابعة فقط في انتخابات الولاية هذا العام.

وراؤول غاندي، كان من المفترض أن يعيد انعاش الحزب الآن، أو أن يستعد لتولي منصب كبير. لكن بعد قيادته حملة مروعة للحزب في "اوتار براديش"، يبدو انه فقد الشجاعة للقيام بذلك. ولا احد يدرك فعلا ما يمثله أو ما إذا كان بإمكانه تولي القيادة. فلا احد يتمكن من مقابلته أو مقابلة والدته، سونيا، زعيمة الحزب.

وسلالة غاندي لا زالت تجمع شمل حزب المؤتمر، وهو الذي تنقصه بعض من الإيديولوجيا، باستثناء مفاهيم العلمانية الواسعة، وهذه السلالة تساعد أيضا في تسوية المشاحنات بين القادة. لكن هذ الأمر ليست له كثير أهمية بالنسبة للناخبين. والسلالات الإقليمية بسلطتها، ومالها الذي تنشره في الولايات، هي في صعود. ومن دون ولاية تدار كإقطاعية، فإن عائلة غاندي تبدو مقتلعة من جذورها.

وبصيص الأمل المتبقي للمؤتمر هو في أن تكون البدائل الوطنية المطروحة له تتصف بالضعف. أرون جايتلي، رئيس "حزب الشعب الهندي" المعروف باسم "بهاراتيا جاناتا" أو "بي جيه بي"، في مجلس الشيوخ الهندي يقول إن للحزب "كوكبة من القادة" لعام 2014، لكنهم فعليا مجموعة من قادة الأقاليم، ومن جهته، فإن حزب "بي جيه بي" لم يعد ثابتا في أيديولوجيته، بعد أن خفف لهجته القومية الهندوسية القديمة البغيضة، وتلطخت مواقفه القديمة المؤيدة للسوق الحرة. وهو يحظى بتأييد محدود في جنوب الهند وشرقها وشمال شرقها.

ويحاول الحزب جاهدا إتمام رسم صورته بوصفه حزبا يحارب الفساد، لكن إظهار نفسه على أنه نظيف اليد هو أمر ينم عن خداع. فقد كانت له حصته من الفضائح والمحسوبية، لا سيما في الولاية الجنوبية من كارناتاكا، كما تنقصه الأفكار الداعمة لتحسين أوضاع الناس.

صعود الأحزاب الإقليمية

وتملأ الأحزاب الإقليمية هذا الفراغ، وهي غالبا ما تلتقي حول شخص يتمتع بكاريزما وله صفة رئيس وزراء إحدى الولايات، ولهذه الأحزاب أهميتها، حيث أنها تحوذ على سلطات أشبه برئاسية على أراض غالبا ما تحوي عدد سكان بحجم بلد، وتسيطر تقريبا على نصف الإنفاق الحكومي للهند. وأكثرها ازدهارا تلك التي يقل اعتمادها على دلهي في التمويل، يطلق قادة أقوياء يؤثرون على ما يحدث في دلهي أيضا.

والحكام الأقوى لا يعيرون الأحزاب القومية إلا القليل من الانتباه. وهؤلاء من بينهم ثلاث نساء، هن : ماماتا بانرجي في وسط البنغال، جايارام جايالاليتا في ولاية تاميل نادو، وماياواتي من طائفة الداليتس الفقيرة في الهند ( التى كانت تعرف بالمنبوذين) التي حكمت ولاية "أوتار براديش" حتى بداية هذا العام. وغيرهم من أمثال نيتيش كومار في ولاية بيهار، واخيلش ياداف وعائلته من ولاية "اوتار براديش"، ومودي في ولاية غوجارات، وشاراد باوار، حليف حزب المؤتمر في ولاية ماهاراشترا وعلى المستوى القومي. وهؤلاء يديرون إحدى أغنى الولايات في الهند، ويحكمون اكثر من 600 مليون نسمة. ومن غير المرجح أن يتوحدوا كقوة سياسة متماسكة ثالثة، لكن لديهم سلطة حق نقض الفيتو على القضايا الوطنية.

لكن بعض الناخبين بدأ في الابتعاد عن السياسات الجامدة القديمة. على المستوى الوطني، لا زال حزب المؤتمر يجمع أصوات المسلمين وأصوات الهندوس الأكثر علمانية، وحزب "بي جيه بي" يجمع أصوات الهندوس المتقدين حماسا، و"نظام الطوائف" له أهميته أيضا: فتعتمد ماياواتي على الناخبين من الداليت، وعائلة ياداف على الطوائف من أوساط الطبقات الوسطى وعلى المسلمين في ولاية "اوتار راديش". والقادة، بدورهم، يكافأون تلك الجماعات في الوظائف الحكومية والحصص التعليمية وغيرها من المعونات.

وكانت سلسلة من الفضائح قد تركت الناخبين في حالة من الاستياء، لاسيما وأن أقلية أصبحت غنية بما يتخطى الأحلام. والهند قد تكون تمر بمرحلة اللص- البارون على الطريقة الأميركية، المنقادة بازدهار السلع والتحول إلى اقتصاد منفتح. لكن معلقين اكثر تشاؤما يرون نوعا من الفساد الحكومي المستفحل على الطريقة الروسية.

وعلى الأرجح أن تصبح السياسة أكثر نظافة في المستقبل، حيث يمكن أن يدفع الثراء المتزايد الذي أوجده أصحاب المشاريع، والمبدعون والمصنعون، إلى حلحلة الروابط السياسية القائمة، لكن مثل هذه التغيرات تأخذ وقتا.

ناخبون متأرجحون

 

جديد الانتخابات الهندية المقبلة وصول مجموعة من الناخبين من أوساط الطبقة الوسطى، الذين يتأرجحون بين الأحزاب وفقا لأدائها، وليس بناء على وعود بالحصول على مكافآت. ومعظم هؤلاء من الشباب المقيم في المدن، والمتعلم، والذي يعمل لحسابه الخاص، وهو مطلع جدا على الأوضاع بفضل محطات الأخبار المتخصصة ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الخليوية.

وما زال هؤلاء الشباب أقلية، لكنهم سيزدادون عددا مع توسع المدن وتحسن التعليم. وسيكون حوالي 100 مليون ناخب في 2014 من الناخبين الجدد للمرة الأولى. وهؤلاء جميعا قد يكونوا قد بدأوا في تقرير نتائج الانتخابات المقبلة.