كان المستهدف بعملية الاغتيال، في الانفجار الكبير لسيارة في شارع جانبي هادئ من أحد شوارع بيروت، أحد المرشحين للقتل المثيرين للحيرة.
صحيح أن رئيس شعبة المعلومات التابعة للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وسام الحسن هو أحد أهم رؤساء الأجهزة الأمنية في لبنان، وشخصية رئيسية في عالم الاستخبارات اللبناني المظلم، غير أنه على عكس معظم أهداف الاغتيالات السابقة ،على مدى السنوات السبع الماضية، لم يكن رجل سياسة.
الإبحار الماهر
ويتمكن رؤساء أجهزة الأمن اللبنانيين من الاستمرار من خلال جعل أنفسهم أصحاب قيمة وفائدة لأطراف مختلفة. وفيما كان الحسن معروفا بروابطه الوثيقة مع رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري والتحالف السياسي المعادي لسوريا المدعوم من الغرب، والمعروف بحركة 14 آذار، فانه كان أيضا ماهرا في الإبحار عبر التضاريس الوعرة بين بيروت ودمشق. فإذا أصبح في وفاته شخصية أخرى يذكّر حركة 14 آذار بمواقع الشخصيات العامة التي تم اغتيالها، فإنه كان على جانب كبير من التعقيد في حياته، وشكل نقطة وصل رئيسية داخل شبكة من التحالفات المتغيرة التي تعطي صورة خاطئة للانقسامات في السياسة اللبنانية.
لنأخذ على سبيل المثال، الهمس المتواصل حول مكان وجوده عند اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005. وفي تفسير غيابه عن موكب الحريري المنكوب، قال الحسن للمحققين إنه كان يقدم امتحانا في الجامعة. والوثائق المسربة من المحكمة الدولية الخاصة للبنان في الأمم المتحدة تشير إلى أن المدعين العامين هناك راودتهم شكوك حول الحجة التي تقدم بها الحسن لتبرير غيابه. لكن سعد الحريري أبقاه ضمن دائرته الضيقة، ورفعه إلى أعلى المناصب في السلطة.
وتكشف البرقيات الدبلوماسية الصادرة عن موقع "ويكيليكس" عن أن الحسن كان موضع ارتياب شديد من قبل كثير من حلفاء سعد الحريري، حتى عندما كان المعارضون السياسيون لحركة 14 آذار يهاجمونه لعلاقاته الغامضة في تحقيق الأمم المتحدة، ولدوره في قمع الحكومة لمجموعة "فتح الإسلام" المتشددة، التي قاتلت الجيش اللبناني في صراع دموي في عام 2007.
سجل متقلب
ومن المغري الاستنتاج بأن الحسن كان أحد المرشحين للاغتيال من قبل سوريا وحلفائها. ومع ذلك، فإن البرقيات تكشف أيضا عن لعبه دور الوسيط بين سعد الحريري وحزب الله، عاقدا صفقة بينهما سمحت للحزب بالحفاظ على شبكة الألياف البصرية السرية للاتصالات الخاصة بالحزب، في مقابل تنازلات سياسية محددة، وعن تعاونه في كشف شبكة واسعة من الجواسيس الإسرائيليين. وفي 2010، تلقى الحسن دعوة من دمشق في إطار حملة للحكومتين السورية والسعودية لتحسين العلاقات بين الأحزاب اللبنانية المنقسمة على نفسها.
وعلى ضوء سجل الحسن المتقلب بين التلاعب والتوفيق، وروابطه طويلة الأمد بالأحزاب من مختلف الأطياف السياسية، فمن يريد أن يراه قد قتل اليوم؟
يبدو من المعقول أن يكون الجواب عن هذا السؤال متصلا بشكل ما بالإنجاز الأخير له قبل وفاته. في أغسطس الماضي، تحركت قوى الأمن الداخلي لتعتقل الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة، الذي تربطه روابط قوية مع النظام السوري. واتهم الحسن سماحة بتهريب متفجرات إلى لبنان للقيام باغتيالات وجر البلاد إلى أتون الحرب الطائفية.
طابع فضيحة
كان هناك أمر سريالي حول اعتقال الوزير اللبناني الأسبق جوزف سماحة، الشخصية السياسية رفيعة المستوى التي قبضت عليها وحدة من الشرطة اللبنانية بأدلة مقنعة جدا، حيث أفيد عن وجود لقطات فيديو مطولة وتسجيلات صوتية وإفادات شهود، إلى حد أنه لم يتقدم احد من حلفاء سماحة المؤيدين لسوريا للدفاع عنه. وطابع الفضيحة العلني للغاية والاستخدام المحض لوسائل الإعلام لها في بث تفاصيل المخطط المزعوم، بديا وكأنهما يشيران إلى تحد من جانب الحسن، في وجه النظام السوري الذي أصابه الوهن.
وقد علق سعد الحريري مباشرة بعد التفجير الذي أودى بالحسن قائلا: "لطالما اعتقدنا أن بشار الأسد هو من قتل رفيق الحريري، واليوم فقد قتل أيضا وسام الحسن". قد يكون الحريري على حق، لكن السؤال عمن قتل وسام الحسن يبدو أقل أهمية من تعليل سبب قتله في الأساس، ولماذا قتل الآن؟.
الشخصية اللغز
قامت شعبة المعلومات التابعة للمديرية العامة للأمن الداخلي اللبناني التي يترأسها بإماطة اللثام عن شبكة متماسكة كانت تراقب رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري قبل وفاته بدقائق معدودة. وبالاعتماد على تحليل معقد للاتصالات، أدرجت استنتاجات شعبة المعلومات في تحقيقات الأمم المتحدة، مما أدى في نهاية المطاف إلى اتهام اربعة أشخاص على صلة بحزب الله.
ولهذه الأسباب فقط، من المغري الاستنتاج بأن الحسن كان من المرشحين للاغتيال من قبل سوريا وحلفائها. ومع ذلك، فإن برقيات دبلوماسية صادرة عن موقع "ويكليكس" تكشف أيضا عن أنه لعب دور الوسيط بين سعد الحريري وحزب الله، عاقدا صفقة بينهما سمحت للحزب في الاحتفاظ بشبكة الألياف البصرية السرية الخاصة باتصالات الحزب مقابل تنازلات سياسية محددة.
