أذكى اغتيال رئيس شعبة المعلومات، التابعة للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني، اللواء وسام الحسن، المخاوف من أن النظام السوري، في مواجهة وضع صعب ويائس، سيحاول على نحو متعمد "تدويل" الحرب الأهلية في سوريا، كوسيلة لضمان بقائه.
ويعمل الرئيس السوري بشار الأسد بقوة على رفع الثمن الذي يتعين على البلدان المجاورة المعادية له والقوى العظمى أن تدفعه في سعيها للإطاحة به، وذلك من خلال صب الزيت على النار في المنطقة، وهي التي يمكن أن تشتعل، بحسب مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي، بسبب العنف المنفلت من عقاله في سوريا.
أثمان باهظة
والتكلفة المحتملة في لبنان اتضحت، أخيرا، بعد عملية الاغتيال الأخيرة التي وقعت في بيروت، حيث نزل إلى الشارع مجموعات من السنـّة ومن المسيحيين المعارضين للنظام في سوريا والحكومة اللبنانية الموالية لها، على سبيل الاحتجاج، وألقوا اللوم في وفاة الحسن بشكل واسع على حزب الله، الذي يشكل القوة العسكرية الأقوى في البلاد.
وكانت دول عربية إلى جانب حلفاء غربيين، مثل أميركا وفرنسا، قد وظفت وقتا طويلا وجهدا كبيرا في محاولة ضمان عدم عودة لبنان الضعيف سياسيا إلى حربه الطائفية. وقد شكل مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، في عام 2005، الذي اتهم به الأسد، انتكاسة للنفوذ السوري هناك، ومقتل رئيس شعبة المعلومات وسام الحسن، أخيرا، هو تذكير بأن دمشق ما زالت لديها القدرة على زعزعة استقرار لبنان.
وفي هذا السياق، علق صحافيون إسرائيليون في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية على الحدث، وقالوا: "شكل اغتيال اللواء وسام الحسن السني بانفجار سيارة أخيرا، مؤشراً آخر على أن الصراع السوري بدأ في الانتقال إلى داخل لبنان، والسياسيون والمعلقون اللبنانيون يجمعون على أمر واحد، وهو انجرار لبنان إلى الاضطراب السوري، وفرص إعادة إشعال الحرب الأهلية على التراب اللبناني تعد اليوم أكبر من أي وقت مضى منذ اغتيال رفيق الحريري". وكان النظام السوري قد روع تركيا، أخيرا، مظهرا الثمن الكبير الذي قد تدفعه أنقرة بسبب رحيله، وهو الأمر الذي كان الزعماء الأتراك يطالبون به بقوة متزايدة، منذ انهيار العلاقات الثنائية بين البلدين في السنة الماضية.
تصعيد حدودي
وقد وصلت سلسلة من الأحداث على الحدود المشتركة بين البلدين والتي تمتد مسافة 900 كلم، إلى أوجها، أخيرا، بتبادل للقصف المدفعي على مدى أيام، في أعقاب قيام وحدات من الجيش السوري بقصف بلدة داخل تركيا مما أودى بحياة خمسة مدنيا من الأتراك. وزعمت دمشق حينها بأن القصف الأولي كان حادثا. لكن في مقابلة مع صحيفة "غارديان" البريطانية، يتساءل وزير الخارجية التركي، أحمد أوغلو: "لماذا استمرت الوحدات السورية في قصفها، إذا كان الوضع حسبما يقولون". ويشكك المسؤولون الأتراك أيضا بأن الأسد يستخدم التدفق المتزايد للاجئين السوريين إلى داخل تركيا ولبنان والأردن بطريقة غير مباشرة في سبيل الضغط على أعدائه. ويخشى أوغلو من كارثة إنسانية على أبواب الشتاء إذا لم يتغير شيء، وهو يريد استجابة دولية لهذا الوضع. وهناك 150 ألف مهاجر سوري على تراب تركيا.
يقول أوغلو: "نأمل أن تتخذ كل من أميركا والدول الأخرى موقفا اكثر تشدداً فيما يتعلق بالكارثة الإنسانية التي تنطوي على تهديد للاستقرار الإقليمي" ويضيف: "وأنا أتفق مع مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، ولدينا قلق عميق من أن تشتعل المنطقة، وهذا سيؤثر على جميع الدول المجاورة ".
وتقدم تركيا مثالا آخر على الكيفية التي يتعمد بها الأسد تدويل الصراع. ويقول المسؤولون الأتراك إن سوريا تساعد وتحرض المقاتلين الانفصاليين التابعين لحزب العمال الكردستاني المقيم في العراق، الذي وصلت حملته العنيفة داخل تركيا إلى ذروتها هذه السنة على امتداد 10 سنوات، وذلك ردا على الدعم التركي للمعارضة السورية. ورسالة الأسد الصريحة لأنقرة: "تراجعي أو واجهي تصعيدا للفتنة في الداخل". وحسابات مشابهة قد تكون وراء ما أفيد عن تراجع في الحماس لدى دول عربية لتسليح الثوار السوريين، وكانت مزاعم دمشق بأن الأسلحة تذهب إلى مجموعات متشددة ترتبط بالقاعدة، كما حصل عندما سلح الغرب المجاهدين الأفغان في ثمانينات القرن الماضي، قد قرعت جرس الإنذار في واشنطن.
أهون الشرين
وإذا كان هناك من أمر تكرهه أميركا أكثر من دكتاتور متعطش للدماء، فإن فكرة أن يحل محل الأسد متشددون مخبولون تعهدوا بشن الحرب على الغرب. ومن وجهة النظر تلك، يمكن أن يصدر الحكم بشأن بقاء الأسد على اعتبار أنه أهون الشرين.
وفي العديد من الجوانب، فان الحرب السورية هي في حالة "تدويل" بالفعل، حيث تصطف أميركا وحلفاؤها الأوروبيون والعرب وراء المعارضة السورية ويساعدونها بدرجات مختلفة، فيما تقف روسيا وحليفها القديم- الجديد في الشرق الأوسط، العراق ما بعد الاحتلال بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي، بثبات في معسكر الأسد، وذلك لمجموعة من الأسباب الجيو-استراتيجية، بقراءة تشير إلى مناهضة الولايات المتحدة الأميركية.
ومن خلال رفع كلفة ما هو على المحك لكل المعنيين، فان الأسد يأمل أن يتمكن من التمسك بالسلطة بطريقة ما، أو أن يأخذ الجميع معه، عملا بشعار "علي وعلى أعدائي، يا رب".
كاتب متعمق
يعمل سيمون تزيدال مساعد رئيس تحرير في صحيفة "غارديان" البريطانية وكاتبا لعمود صحافي في مجال الشؤون الخارجية.
درس التاريخ والسياسة والفلسفة في كلية داوننيغ في الفترة من عام 1971 إلى عام 1974، والتحق بهيئة تحرير صحيفة "غارديان" في عام 1979. وقد تولى مناصب عدة في الصحيفة، فعمل كاتبا رئيسيا في الشؤون الخارجية، ومحررا في الشؤون الخارجية (1994- 1998 ) ومحرراً ومراسلاً للصحيفة في البيت الأبيض في العاصمة الأميركية واشنطن (1996- 1998). كما عمل محرراً في مجال الشؤون الخارجية لصحيفة "أوبزرفر" خلال السنوات 1996 -
