يعيق المسار السياسي المضطرب في العراق قدرة بغداد على التأثير في مجرى الأحداث الإقليمية، لا سيما في سوريا المجاورة. والعراق لا يملك سياسة خارجية وطنية، وغياب الوحدة بين نخبه الحاكمة، على مدى العقد الماضي، لم يسمح بتبني نهج موحد تجاه العلاقات الدولية، هذه العلاقات التي كان بإمكانها حماية البلاد من أن تصبح ملعبا للقوى الخارجية وما يستتبع ذلك من تأثيرات خطيرة على استقرارها السياسي والأمني.
موقع محوري
وهذه التبعات لها دلالات خاصة اليوم. فالصراع في سوريا المجاورة قد وضع العراق في موقع محوري، حيث تقبع البلاد بين ايران وسوريا، وتحدها تركيا كذلك، وبناء على ذلك، فإن بإمكان العراق المساعدة في جهود إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أو تعقيد هذه الجهود.
ومنذ انسحاب القوات الأميركية من البلاد السنة الماضية، أصبح العراق بلا شك اكثر عزما وإصرارا على المستوى الدولي تحت قيادة رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي انتهى أخيرا من إبرام صفقة شراء أسلحة روسية بقيمة 4.2 مليارات دولار، وذلك في تحد لأميركا، وفي استفزاز لمخاوف أكراد البلاد، الذين يخشون من أن تستخدم هذه الأسلحة ضدهم في يوم من الأيام.
وعلى الرغم من عزم بغداد وإصرارها، إلا أن قدرتها على التأثير في الأحداث الإقليمية، بما في ذلك المحافظة على مصالحها الوطنية، يعيقها المسار السياسي المضطرب للبلاد الذي تترأسه فصائل قوية نسبيا وشخصيات نافذة.
ولقد أصبح العراق القناة التي يتلقى نظام الأسد من خلالها دعما بالسلاح والتمويل، ودعما بالمقاتلين أحياناً أخرى. والمالكي وحلفاؤه يخشون من تهديد تشكله هيمنة السنة في سوريا عبر الحدود.
وعلى هذا الأساس، يعد العراق في الطليعة في إطار جهود الحفاظ على حكم الأسد، ويعد مركزياً في الحرب الإقليمية بالوكالة التي تتكشف تدريجيا في سوريا.
انقسام سياسي
لكن نظرا لانعكاس الانقسامات في المنطقة داخل العراق نفسه، فإن المخيم المؤيد للأسد في البلاد، على الرغم من بذله أقصى الجهود للحفاظ على النظام السوري، يجد أن جهوده تتقوض على يد خصوم عرب في العراق، بدعم من تركيا والعالم العربي، وعلى يد الأكراد الذين تستفيد منطقتهم في الشمال من مجموعة من العلاقات الودية مع أميركا وتركيا وايران، وذلك بسبب الحكم الذاتي واسع النطاق الذي يتمتعون به أساسا، والاستقرار الذي تنعم به منطقتهم، على نقيض باقي العراق.
على سبيل المثال، تستمر حكومة إقليم كردستان في تدريب مقاتلين أكراد سوريين معادين للأسد، على الرغم من استياء المالكي، وهؤلاء يجري تدريبهم من قبل قوات النخبة، البشميركه، لإعداد الأكراد السوريين لملء فراغ السلطة في سوريا، وإعادة الاستقرار للمنطقة الكردية السورية في ظل حكم ذاتي.
وتستولي حكومة إقليم كردستان على نقاط عبور حدودية مهمة بمحاذاة الحدود السورية، تمكنت من خلالها من اختراق الأراضي السورية. وكانت نقاط العبور على درجة كبيرة من الأهمية إلى حد أن المالكي أرسل أخيرا وحدات من الجيش العراقي للسيطرة على المعابر، مهددا بإشعال حرب أهلية بين الأكراد والعرب. وفي النهاية، تم إيقاف هذه الوحدات من قبل قوات حكومة إقليم كردستان، وأجبرت على التراجع بعد مواجهة معها. وعلى نحو مماثل، أرسلت الولايات الشمالية للعراق على الحدود مع سوريا والتي يهيمن عليها السنة مقاتلين إلى سوريا للانضمام إلى الانتفاضة، وهم بذلك يردون الجميل لإخوانهم الذين دعموهم وشكلوا جزءا حيويا في الانتفاضة العراقية ما بعد مرحلة عام 2003.
استغلال الجيرة
لكن هذه المشكلة ليست من صنع العراق كليا، فغياب الأمن الذي تفاقم على يد الجيران، الذين سمحوا بتدفق المسلحين إلى العراق في أعقاب الحرب، قد أوقف تقدم البلاد لتكمل بناءها. وهذا الأمر سمح للجيران الإقليميين باستغلال موقع البلاد الاستراتيجي المهم ومواردها الغنية وتنوعها العرقي والطائفي، على حساب المصالح الوطنية الأوسع نطاقا، وعلى حساب جهود تطوير سياسة خارجية متماسكة الأركان. ومع ذلك، فان حالة عدم الاستقرار الممتدة في المنطقة اليوم تعني أن هؤلاء الجيران "الأقوى بأسا" يجدون سياستهم واستقرارهم أمام الاختبار، فيما تستمر حرب الاستنزاف في سوريا وتتعامل المنطقة مع الهزات الارتدادية لانتفاضات الربيع العربي.
ولطالما شنت تركيا هجمات عبر الحدود، مستهدفة المشتبه بهم من الحزب العمال الكردستاني في منطقة كردستان العراق. لكن دفاعها عن أراضيها من القصف السوري الذي يستهدف الثوار السوريين، وبروز كردستان ذات حكم ذاتي في سوريا، يفرضان عليها، للمفارقة، إعادة النظر بسياساتها نحو السكان الأكراد المضطربين، ونحو حزب العمال الكردستاني، وهو المجموعة الثورية التي حاربتها على مدى الأربعين سنة الماضية، والتي لديها منظمة شقيقة، حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يملك السيطرة غير المتنازع عليها في المنطقة الكردية من سوريا.
وبعد عقد من الغزو الذي قادته أميركا في عام 2003، تستمر الدولة العراقية في المراوحة ما بين الاحتضار أو الغياب الكلي. والعراق قد يكون في معرض الاستفادة من موقعه الاستراتيجي وموارده الغنية من خلال تعظيم الاستفادة من هشاشة جيرانه الإقليميين، فيما يبدو حربا جيوسياسية حساسة بالوكالة.
لكن الطموحات المتضاربة واللامركزية في السياسة الخارجية لدى اللاعبين السياسيين المستقلين ذاتيا في العراق، سمحت بالتضحية بالمصالح الوطنية الأوسع نطاقا للبلاد، حيث ينظر هؤلاء إلى الصراع السوري كفرصة لإضعاف الخصم داخل العراق، بدلا من خارجه.
استغلال الضعف
ليست مشكلة غياب سياسة خارجية للعراق من صنعه كليا. فغياب الأمن الذي ساهم جيران البلاد بمفاقمته من خلال سماحهم بتدفق المسلحين إلى العراق في أعقاب الحرب، وفي أحيان أخرى، من خلال تدبير الهجمات بأنفسهم، قد أوقف تقدم بناء البلاد. وهذا الأمر، بدوره، سمح للجيران الإقليميين باستغلال العراق لموقعه الاستراتيجي المهم وموارده الغنية وتنوعه العرقي والطائفي، على حساب المصالح الوطنية الأوسع نطاقا للعراق، وعلى حساب جهود تطوير سياسة خارجية متماسكة الأركان.
