قدم التقرير الصادر حديثا عن جامعتي ستانفورد ونيويورك الأميركيتين "الحياة تحت الطائرات الموجهة عن بعد" مساهمة ميدانية قيمة في السجال الدائر حول الطائرات الموجهة عن بعد، وذلك من خلال تحديد الضحايا الأبرياء لعهد إرهاب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أي مجمل سكان وزيرستان المدنيين، أي ما يقارب 800 ألف نسمة.
وحتى الآن، فان الخلاف الأشد احتداماً يدور حول عدد ضحايا الطائرات الموجهة عن بعد من المتشددين الخطرين في المنطقة الحدودية من باكستان، في مقابل عدد الضحايا من الأطفال والنساء والرجال الذين لا علاقة لهم بأي من المجموعات الإرهابية. والجدل سيستعر حول الموضوع إلى أن تتاح المنطقة لتغطية إعلامية مدققة، أو تقوم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بإصدار التسجيلات المتعلقة بكل غارات صواريخ هلفاير.
حقائق صارخة
لكن لا يمكن أن يكون هناك خلاف يتسم بالتعقل حول بعض الحقائق البارزة:
أولا، يوجد لدى أميركا الآن اكثر من 10 آلاف طائرة موجهة عن بعد، مجهزة بالأسلحة ضمن ترسانتها. وثانيا، هناك ما يقدر بست طائرات من طراز "بريدايتور" تحوم فوق موقع من المواقع في أي وقت من الأوقات، وغالبا لمدة 24 ساعة في اليوم، مجهزة بكاميرات عالية الدقة تتطفل على تحركات الجميع في الأسفل.
ثالثا، تطلق طائرات "بريدايتور" صوتا غريبا يطلق عليه اسم "بانغانا" بلغة الباشتون أي "طنين الدبابير". ورابعا، كل من يقيم في المنطقة يمكنه رؤيتها على ارتفاع 5 آلاف قدم طوال اليوم، ويسمع طنينها طوال الليل. خامسا، لا يعرف أحد متى يأتيه صاروخ ويحول أفراد الأسرة إلى ضحايا ما تطلق عليه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تسمية "صفع الحشرة". وبينما يجلس الشخص الذي يشغل الطائرة الموجهة عن بعد "بريدايتور" بعيداً ألوف الأميال في نيفادا، يضغط على الزر وهو يتناول فنجانا من القهوة، وذلك خلال الساعات الحالكة من ليل وزيرستان، بين منتصف الليل والساعة الخامسة صباحا. ولا يمكن بالتالي للأهل الذين يضعون أطفالهم في أسرتهم التيقن من انهم سيستيقظون سالمين.
وكل قرية في وزيرستان تم ترهيبها. ويمكن معرفة هذا الأمر من إفادات شهود عيان في التقرير المشار إليه، أو استخلاصه من الزيادة الكبيرة في توزيع الأدوية المضادة للقلق والاكتئاب عبر المنطقة.
وأحيانا، يصعب على القاطنين في أماكنهم آمنين مرتاحين في الغرب فهم ما يجري هناك، لكن بالنسبة لي، فإنه يعيد ذكريات والدتي، عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها في عام 1944، وكانت قد التحقت بدورة سكرتارية في لندن، بعد إخلاء مدرستها إلى الريف.
ذكريات مريرة
ووالدتي ما زالت تحتفظ بذكريات حية عن الظلام الدامس بعد مرور ستة وثمانين عاما، وكيف كانت تتسلق برج الكنيسة المحلية لتلقي نظرة على الحرائق التي يمكن أن يسببها الانفجار. وعندما كانت تنهمر صواريخ "دودلبغز" الألمانية (من طائرات هتلر التي كانت تدعى "في 1") كانت تدرك أنها في أمان طالما كان بمقدورها سماع محركات الطائرات. وكانت تعلم أيضا أن الطائرات تلك كانت تقتل دون تمييز، وأنه فقط عندما يصمت طنينها كان يفترض بها القلق حول مكان وقوع الصواريخ.
في عام 1944، أصاب صاروخان من طراز "دودلبغز" محيط قصر بكنغهام، قرب المكان الذي كانت تدرس أمي فيه "مادة اختزال الكتابة". إحداهما استقر في حائط القصر، وفجر نوافذ مدرسة تعليم السكرتارية، والآخر قتل أكثر من 100 شخص. وكثيرون عانوا أكثر بكثير من والدتي، في لندن وما وراءها. ويقولون إن الخوف على الذين نحبهم قد يكون اكثر انهاكا من مواجهة الخطر ذاتيا. ومشاعر القلق تنتشر إلى فضاءات واسعة.
بالتالي لم يتغير إلا القليل اليوم. وآمل أن يذكرنا هذا التقرير جميعا بما تفعله أميركا بدعم من بريطانيا بالشعب الباكستاني. ربما حينها قد تكون هناك مشاعر اقل استغراباً لما تولده حرب الطائرات الموجهة عن بعد من كراهية في العالم الإسلامي، وربما تشكل فرصة لإعادة النظر بما نقوم به.
إرهاب السكان
يطلعنا مبدأ سلاح الجو البريطاني مجازا بالآتي: "لقد برهن التأثير النفسي للقوة الجوية من وجود طائرة موجهة عن بعد إلى الصوت الذي تولده مروحية هجومية قادمة، على انه فعال جدا في التأثير في معظم الأحيان...
وربما يقصد بذلك القول "في إرهاب.." كما وصف الأمر الصحافي السابق في صحيفة "نيويورك تايمز" ديفيد رود، الذي اختطف واعتقل من قبل طالبان لأشهر في وزيرستان. ورود الذي جرى الاستشهاد به، في التقرير الصادر حديثا عن جامعتي ستانفورد ونيويورك الأميركيتين "الحياة تحت الطائرات الموجهة عن بعد"، يصف الخوف الذي توحي به هذه الطائرات لدى المدنيين العاديين، بقوله: "الطائرات الموجهة عن بعد كانت مخيفة. من يقف على الأرض، يستحيل تحديد ما أو من تعمل على ملاحقته فيما هي تحوم فوق الرؤوس، وطنين مروحية بعيدة هو تذكير دائم بالموت الوشيك".
