كانت طائرة موجهة عن بعد تحلق، في وقت متأخر من مساء 6 يونيو الماضي، فوق القرية الباكستانية "داتا خيل" في شمال وزيرستان. والطنين المنبعث من الأسطول الأميركي من الطائرات الموجهة عن بعد من طرازي "بريدايتور" و"ريبر" بات صوتا مألوفاً بالنسبة لسكان تلك القرية، التي تقع على محاذاة ضفة نهر بالقرب من حدود باكستان مع أفغانستان، وتعد معقلا لقائد طالبان حافظ غل بهادور.
وفيما الطائرة الموجهة عن بعد تحوم في الجو حول القرية، أطلقت أول صواريخها من طراز "هلفاير"، وأصابت منزلا صغيرا وحولته إلى انقاض. وعندما أسرع السكان إلى مكان الهجوم لرؤية ما إذا كان بإمكانهم المساعدة تعرضوا لضربة أخرى.
واستنادا إلى التقارير الصادرة آنذاك، فان ثلاثة من رجال الإنقاذ المحليين قتلوا بإطلاق صاروخ ثان، وبعدها بخمس دقائق قتل ثلاثة أشخاص آخرين بغارة جوية أخرى. وبالإجمالي، يعتقد أنه ما بين 17 إلى 24 شخصا قتلوا في الهجوم.
تكتيك جديد
وهجوم "داتا خيل" كان غارة ضمن أكثر من 345 غارة جوية وجهت ضد المناطق القبلية الباكستانية في السنوات الثماني الأخيرة، وهي تظهر تكتيكا مشتركا بات مستخدما بشكل متزايد في الحروب السرية لأميركا بالطائرات الموجهة عن بعد، وهو التكتيك الذي يدعى "الضربة المزدوجة".
وعلى الرغم من أن تواتر الضربات الإجمالي تراجع منذ هجوم "ناتو" عام 2011 الذي أسفر عن قتل 24 جنديا باكستانيا وأضر بالعلاقات الأميركية الباكستانية، إلا أن الغارات الأولية يليها بشكل متزايد إطلاق صواريخ إضافية في تكتيك يقول المحامون والناشطون إنه يقتل عددا أكبر من المدنيين. ولقد أضفى هذا التكتيك ظلالا كثيفة من الخوف في المناطق المستهدفة بالغارة، بحيث أن رجال الإنقاذ أصبحوا ينتظرون في الغالب لساعات قبل أن يقدموا على الاقتراب من موقع الهجوم.
يقول ميرزا شهزاد أكبر، المحامي الباكستاني الذي يمثل ضحايا الغارات الجوية بالطائرات الموجهة عن بعد لصحيفة "إندبندنت" إن: "هذا النوع من الغارات أصبح اكثر شيوعا عن ذي قبل، ففي السابق كانت الغارة عبارة عن ضربة واحدة، بين الحين والآخر، أما اليوم، فإن كل هجوم من أصل هجومين تقريبا هو عبارة عن "ضربة مزدوجة". ولا يوجد تبرير لمثل هذه الهجمات".
والاستخدام الصريح ل"الضربات المزدوجة" من قبل الطائرات الموجهة عن بعد يعد ظاهرة من عدة ظواهر مستخدمة حديثا في الحرب السرية الأميركية التي تديرها واشنطن ضد المتشددين، والموثقة في تقرير صادر حديثا عن خبراء قانونيين في جامعتي ستانفورد ونيويورك.
إدانة صريحة
وتعد هذه المحاولة، التي هي نتاج تسعة شهور من الأبحاث وأكثر من 130 مقابلة، إحدى المحاولات الأكثر شمولا لاكاديميين من أجل فهم وتقييم حروب واشنطن بالطائرات الموجهة عن بعد. وقد جاء حكمهم عليها بالإدانة.
وتتخلل 146 صفحة من التقرير، الذي صدر أخيرا، إدانة من قبل واضعيه للغارات بالطائرات الموجهة عن بعد بسبب عدم فاعليتها.
وعلى الرغم من التطمينات بأن هذه الهجمات هي "عمل جراحي يهدف إلى اقتلاع المتشددين"، إلا أن الباحثين وجدوا أن نسبة المسلحين المعروفين بين الضحايا بالكاد تصل إلى 2% وأن الفكرة القائلة إن الغارات تجعل العالم مكانا اكثر أمانا لأميركا تعد "في أحسن أحوالها فكرة مبهمة".
وأضاف الباحثون إن تأثير الصدمات النفسية للغارات له أبعاد تتجاوز الوفيات، حيث توجه ضربة نفسية للسكان الذين يعيشون تحت خطر الإبادة اليومية من السماء، وتدمر الاقتصاد المحلي.
وفي الخلاصة، يدعون واشنطن إلى إعادة تقييم شاملة لبرنامج ضربات طائراتها الموجهة عن بعد، أو المخاطرة بتهميش الناس أنفسهم الذين تأمل استمالتهم. ويلاحظون أيضا أن الغارات تشكل سوابق مقلقة لعمليات قتل خارج نطاق القضاء، في الوقت الذي يبني كثير من الدول ترسانة أسلحة للقصف عن بعد.
ومن غير المرجح أن تستجيب إدارة أوباما لمطالبهم، أخذا في الاعتبار الزخم الذي مضت به أميركا في توسيع برنامج طائراتها الموجهة عن بعد على مدى السنتين الماضيتين. وكل من طائرات "بريدايتور" و"ريبر" تعمل في سماء الصومال واليمن وباكستان، وبشكل أقل سرية فوق أفغانستان. لكن الناشطين مثل ميرزا شهزاد أكبر يأملون في أن يبدأ بحث جامعتي ستانفورد ونيويورك في إحداث تأثير على الرأي العام الأميركي. ويقول أكبر: "إنه عمل مهم، فلا أحد في أميركا يريد الاستماع إلى محام باكستاني يقول إن هذه الضربات خطأ. لكن يمكن أن يستمعوا إلى الاكاديميين الأميركيين".
ترويع للمدنيين
والمؤسسة الخيرية، ريبريف"، التي تحاول الطعن بقانونية ضربات الطائرات الموجهة عن بعد في المحاكم البريطانية والباكستانية والأميركية، قالت إن التقرير روى بالتفصيل كيف أن تداعيات الغارات خارج نطاق القانون يجب قياسها بناء على بنود تتجاوز مجرد الوفيات والجرحى.
يقول مدير المؤسسة كليف ستافورد سميث: "يجري ترويع منطقة بأكملها بواسطة التهديد المستمر بالموت الهابط من السماء، ولقد بدأت طريقة في الحياة تنهار، والأطفال خائفون جدا إلى درجة انهم يرفضون الذهاب إلى المدرسة والأكبر سنا خائفون من حضور الأعراس والمآتم واجتماعات العمل واي شيء آخر من أشكال التجمع".
شهادات مروعة
بعض من اكثر الشهادات الشخصية المروعة يطال أشخاصا شهدوا ما يسمى ب"الضربات المزدوجة". ويقول الباحثون إن الناس في وزيرستان، المنطقة القبلية التي تشهد معظم الغارات، هم "واعون تماما بعادة الضربات المتتابعة" وشرحوا أنها ثبطت عزيمة المدنيين العاديين عن التوجه لإنقاذ بعضهم بعضا.
وقال أحدهم في وصفه لغارة على منزل حميه: "جاء أناس آخرون للتحقق مما حصل، كانوا يبحثون عن الأطفال في الأسرة، ثم جاءت غارة ثانية بالطائرات الموجهة عن بعد وأصابتهم"
وفي شهادة أخرى يعترف أب لأربعة أولاد كان قد فقد إحدى ساقيه في غارة بطائرة موجهة عن بعد: "نحن وآخرون خائفون جدا من هجوم الطائرات الموجهة عن بعد، ولا أحد منا يقترب من موقع الضربة عند حصول غارة بهذه الطائرات ، بغض النظر عما إذا كان شابا أو كهلا، لمدة ساعة أو حتى ثلاث ساعات، سعيا للبقاء سالمين".
