ستشكل العلاقات مع الصين تحديا للرئيس الأميركي الجديد، بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر المقبل، وذلك بسبب الضغوط الاقتصادية التي تواجه كلا البلدين.

ويهاجم المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية ميت رومني الصين في حملته الانتخابية، بسبب ما وصفه غشها في التجارة وسرقتها للأفكار والتكنولوجيا الأميركية، وقد تعهد بأن يضع في أولوية نشاطه، إذا انتخب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، تسمية الصين "متلاعبة بالعملة". ويأمل المرشح الجمهوري أن يلقى هذا الموضوع قبولا في الولايات الصناعية من الوسط الغربي للبلاد، حيث شاهد العمال مصانعهم ووظائفهم تنتقل إلى ما وراء البحار.

ومن جهته، يتحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما بطريقة صارمة ومتشددة عن الصين، حيث أعلن في ولاية أوهايو، أخيرا، عن ضغوط لمحاولة دفع منظمة التجارة العالمية إلى معاقبة الصين لدعمها للسيارات وقطع غيارها.

وانتقاد الصين من قبل مرشحي الرئاسة الأميركية ليس بالأمر الجديد. ففي الحملات الانتخابية عام 2008، تعهد كل من أوباما ومنافسته على الترشيح عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون بمواجهة الصين حول عملتها اليوان، التي يقول المصنعون الأميركيون إنها منخفضة بشكل مصطنع.

نهج براغماتي

ومن موقعه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية، اتبع أوباما نهجا عمليا، مستخدما تركيبة من الضغوط والمداهنة مع الصين حول قضية العملة، وسعى إلى تحرك تجاري في الحالات التي تخص بعض السلع، مثل الإطارات والسيارات.

 وكما فعل سلفه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، لم يصل إلى حد وصم الصين بالمتلاعبة بالعملة، وهي خطوة كانت ستصعد التوتر بشكل حاد بين البلدين، وقد تشعل حربا تجارية. والاعتمادية المتبادلة بين الولايات المتحدة وأكبر دائن لها (الصين) أدت بكثير من المحللين إلى توقع زوال سريع للكلام القاسي بشأن الصين، بغض النظر عمن سيفوز في السباق إلى البيت الأبيض في 6 نوفمبر المقبل. لكن الأمر قد يكون مختلفا هذه المرة.

بعد سنوات من التوسع القوي المستند إلى التصدير، فإن ثاني أكبر اقتصاد في العالم بدأ في التباطؤ. وتتصارع الصين مع وتائر نمو غير متساوية داخل حدودها، فيما هي على أبواب عملية انتقال في القيادة، مرة في كل عقد من الزمن، مع توقع نجاح غزي جين بينغ خلفاً لهو جنتاو في منصب القائد الأعلى. والاقتصاد العالمي ما زال هشا في ظل الأزمة الأوروبية، الأمر الذي يقلص سوق سلعها، ويزيد من إغراءات استخدام بكين لعملة ضعيفة لبيع صادراتها رخيصة الثمن.

ومن جهة أخرى، يمكن أن ينمو الإحباط الأميركي من الصين، في ظل صراع العمال الأميركيين مع سوق الوظائف الراكد والبطالة التي تتجاوز نسبتها 8%، مما يفرض ضغوطا على السياسيين في واشنطن لإبقاء ضغوطهم على بكين. وكل هذا يمكن أن يتراكم ليصعد الخلافات التجارية بين البلدين.

تصعيد التوتر

يقول ديفيد روثكوبف، رئيس شركة الاستشارات الدولية "غارتن روثكوبف": "اعتقد أن العلاقات الأميركية- الصينية على وشك الدخول في فترة صعبة، كالتي رأيناها منذ أوائل التسعينات، عندما دخلنا في حالة من التوتر المستمر تقريبا مع اليابانيين".

وروثكوبف، المسؤول السابق في وزارة التجارة الأميركية خلال ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون، قال إن المحللين يتجاهلون خطاب الحملات الانتخابية باعتبارها "النموذج المتبع". لكنه أضاف: "ما يمكن أن يجعل الحملة مختلفة الآن، هو أنه في ظل اقتصاد متباطئ لفترة طويلة من الزمن، كما يبدو مرجحا، من دون إيجاد وظائف جديدة بالطريقة التي نرغب بها، فإنه يمكن أن ندخل فترة لا نشهد فيها توترا بين أميركا والصين فحسب، وإنما أيضا توترا تجاريا أوسع نطاقا في العالم".

وإحدى المفارقات في هذا السجال حول الصين في الحملات الانتخابية أن رومني يترشح في الواقع على يسار أوباما، فيما يخص هذه النقطة.

خطورة معاقبة الصين

وتعهد رومني بوصف الصين بالمتلاعبة بالعملة يحوز على شعبية في أوساط عمال النقابات، كما يحظى باستحسان المشرعين الديمقراطيين أكثر مما يحظى باستحسان الجمهوريين. ورئيس مجلس النواب جون بونر رفض تشريعا يقضي بمعاقبة الصين لخفض عملتها، قائلا إنه قد يؤدي إلى حرب تجارية "خطرة".

ومخاوف بونر يتردد صداها عند العديد في أوساط مجتمع الأعمال. وعلى الرغم من أن مصنعين كثراً يرغبون في رؤية المزيد من الضغط على اليوان، إلا أن شركات تجارة التجزئة وغيرها من الشركات تستفيد من التجارة. كما يقلق خبراء كثر من أن تزيد الحماية من محن الاقتصاد العالمي.

وكانت الصين قد أنهت الربط الثابت لليوان في عام 2005. وتحت ضغط من الولايات المتحدة سمحت بارتفاعه تدريجيا خلال السنوات الأخيرة من إدارة بوش وخلال إدارة أوباما. لكن مسؤولين أميركيين لا زالوا يعتبرون بأن العملة مقومة بأقل من قيمتها. وعلى الرغم من تعهدات رومني بتسمية الصين بالمتلاعبة بالعملة، فإن بعض المحللين يشكون في إمكانية أن يمضي قدما في هذا الأمر، لا سيما في ظل مخاوف مجتمع الأعمال.

تقول إليزابيث إيكونومي، الخبيرة في الشؤون الصينية في مجلس العلاقات الخارجية: " رأينا مرارا وتكرارا أن ما يقوله المرشحون في حملاتهم الانتخابية عن الصين لا يشبه إطلاقا ما يقومون به عند وصولهم إلى سدة الحكم، وبغض النظر عن الرافعة السياسية التي يحوزون عليها من خلال جعل الصين كبش فداء على الجبهة الاقتصادية، فإنها تختفي ما أن تصبح مهمة الحكم من أعلى".

 

 

 

تصعيد كلامي

 

 

 

قام رومني بمهاجمة العملة الصينية بشكل متكرر، خلال حملته الانتخابية، وعلى صفحته الإلكترونية أخذ على نفسه عهدا بتسمية الصين بالدولة المتلاعبة بالعملة باعتبارها من أولوياته، وسيصعب عليه التراجع إذا فاز في السباق إلى البيت الأبيض.

يقول بوني غلايزر، الزميل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "عندما يعد المرشح بالقيام بذلك عدة مرات، فأعتقد أنه يتعين عليه الوفاء بوعوده"، لكن غلايزر قال أيضا إن تسمية الصين بالدولة المتلاعبة بالعملة لن ينفع في إيجاد المزيد من التكافؤ مع الصين، ويضيف: "إنه إجراء من قبيل الشعور بالرضا لا غير، ولن يحقق أي شيء".