لا يوجد مجال للشك في أن الضجة التي أثيرت حول مجموعة من الجزر الصغيرة في بحر الصين الجنوبي حسمت بلا جدال عملية التدهور في العلاقات بين الصين واليابان.
وكانت المشاحنات الدبلوماسية حول جزر دياويو/ سنكاكو، التي أشعلت احتجاجات عنيفة، مع حرق للأعلام والمصانع اليابانية، قد أذهلت طوكيو، ودفعت بالشركات اليابانية إلى النظر في إلغاء خطط تقضي بالاستثمار في الصين. وهذه الشركات تتساءل عما يدعوها لفتح مصنع جديد، إذا كان سيقصف بالقنابل الحارقة أو يمحى من الوجود، في ظل إدارة مذعنة تغض الطرف عما يجري؟
انتقال الاستثمار
وحتى فترة متأخرة، كانت سياسة الاستثمار المعروفة باسم "واحد زائد واحد" (لكل مصنع يبنى في اليابان يتعين على الشركات بناء مصنع في الخارج أيضا) قد أفادت الصين. لكن المطلعين على بواطن الأمور الآن يقولون إن الشركات ستنظر في دعم النمو في إندونيسيا والفلبين أو بورما، التي انفتحت على العالم منذ فترة قصيرة.
ويعد هذا الخلاف بالنسبة لصندوق النقد الدولي، الذي عقد اجتماعه السنوي في العاصمة اليابانية للمرة الأولى منذ عام 1964، واحداً من الخلافات العدة التي تتصل بالنمو المتباطئ وصعود النزعة الحمائية. وكان مقررا عقد هذا الاجتماع في القاهرة، قبل أن يجعل الربيع العربي المنطقة تبدو غير مستقرة لجلسة تجمع وزراء المالية والمؤسسات الدولية. لكن أخيراً، في ظل محاصرة سفن صينية الجزر المتنازع عليها وذهاب المناشدات للتهدئة أدراج الرياح، يبدو الوعي السياسي في طوكيو أقرب إلى القاهرة اكثر مما كان قد توقعه صندوق النقد الدولي.
وبلا شك، يقع قادة الصين تحت ضغوط. فقد تباطأ النمو من نسبة تزيد على 10% إلى اقل من 8% على مدى السنتين الماضيتين، وارتفاع عدد سكان البلاد يتطلب نمواً لمواكبة هذه الزيادة يتراوح ما بين 6% إلى 7%. في مارس الماضي، خفضت بكين هدف نموها الإجمالي لعام 2012 إلى 7.5%.
ومن جهة أخرى يصرف خلاف خارجي الأنظار عن السياسات الاقتصادية التي تمنى بالفشل، كما يعرف أي طالب علوم سياسية.
خيارات غير حكيمة
لكن السلطات الصينية يبدو أنها تقترف خطأ فاضحاً باختيارها انتعاشا قصير الأجل في الشعبية المحلية في مقابل تدهور في العلاقات طويلة الأجل مع المستثمرين الأجانب. ويدرك صندوق النقد الدولي أن هذا الخلاف المحلي له تداعيات أوسع نطاقا: فاليابان، تعد ثالث اكبر اقتصاد في العالم، فيما تحتل الصين المرتبة الثانية، ويمثل البلدان معا حوالي خمس الإنتاج الاقتصادي العالمي، واي تباطؤ في النمو سيعيق الانتعاش العالمي.
وكان الأميركيون قد قاموا بكبح جماح التوسع في الصين، كرد فعل على الفساد العام والتهديد المتزايد من سرقة الملكية الفكرية. والشركات الأوروبية تراجعت هي أيضا، وفضلت إرسال السلع ذات القيمة العالية المصنوعة في أوروبا.
والاقتصاد الياباني ليس في وضع جيد أيضا. ففي العام الجاري، سيعيد الإنفاق الهائل على الغاز والنفط المستورد ميزان المدفوعات الياباني إلى الوراء، وهذا يحصل للمرة الثانية فقط خلال ثلاثة عقود. والين مرتفع على مستوى تاريخي مقابل الدولار، وهذا يجعل المنتجات اليابانية باهظة الثمن في الخارج، أما الوضع السياسي فيبقى غير مستقر، مع تمكن حكومة الحزب الديمقراطي من تمرير زيادة على ضريبة القيمة المضافة بعد وعود بانتخابات مبكرة.
ودعونا لا ننسى أزمة منطقة اليورو، التي تستمر في تأمين مادة وفيرة للفكر لدى مسؤولي صندوق النقد الدولي، مع الأخذ في الاعتبار فشل التعامل مع الثقب الأسود المالي لإسبانيا، والاضطراب الشعبي المتزايد لدى مواطني أوروبا الجنوبيين، الذين يزدادون يأسا.
القلق الأعظم
ومع ذلك، فان الخلاف الياباني/ الصيني هو الذي يثير قلقهم أكثر من غيره. وتعتقد اليابان أن الصينيين يسببون المتاعب عمدا، ولقد شددت على أنها اشترت الجزر في وقت سابق من هذه السنة لإبقائها خارج يد محافظ طوكيو، وهذه الخطوة دفعت بها خطة أكثر استفزازا للمحافظ اليميني شينتارو ايشيهارا لشرائها بتبرعات عامة ثم جمعها. والمحافظ يكن عداوة شعبوية تجاه المجتمع الصيني في اليابان.
قد تعتقد بكين أن بإمكانها المضي قدما من دون الاستثمارات اليابانية، لكنها ستكون مخطئة، والقرار يمكن أن يترك تأثيره على الجميع.
حساسية زائدة
يبدو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما والمرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية ميت رومني قد حسبا الأمور جيدا، خلال تبادلهما تسديد الضربات إلى الصين، في المناظرة الأخيرة بينهما، حيث بدت المنافع السياسية من إزعاج شريك تجاري ودبلوماسي مهم أكثر رجحانا من التكاليف الكامنة من وراء ذلك.
لكن ردا سريعا وغاضبا من الحكومة الصينية، بعد ساعات من المناظرة، عكس مدى حساسية العلاقات بين البلدين في مرحلة انتقال سياسي في البلدين.
قال أوباما إن إدارته حققت نتائج من خلال الضغط على الكونغرس فيما يتعلق بالعملة والسياسات التجارية، أما رومني فقال إنه سيكون اكثر عدائية، داعيا الصين "بالغشاشة" ومكرراً أنه سيطلق عليها تسمية الدولة "المتلاعبة بالعملة". وإذا جرى اعتماد هذه التسمية رسميا، فإن الأمر سيدفع بخطوات إضافية للضغط على الصين فيما يخص عملتها.
