لا يحدث أمر كهذا كل يوم، أن يتفق الرئيس الأميركي باراك أوباما والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مع رئيس جماعة إسلامية تدعى "جماعت إسلامي" أو مع سياسي باكستاني يمضي في مهاجمة أميركا. لكن هجوم طالبان الأخير على الناشطة ملالا يوسف زاي، البالغة من العمر 14 عاما في وادي سوات في باكستان، أثار إدانة عالمية على امتداد القارات والثقافات.

وقال ناطق باسم البيت الأبيض إن الرئيس أوباما ينظر إلى الهجوم الذي تسبب بغياب ملالا يوسف زاي عن الوعي بعد أن كمن مسلحون للحافلة المدرسية التي كانت تقلها وأطلقوا الرصاص على رأسها وعنقها، على أنه "عمل ذميم مثير للاشمئزاز ومأساوي"، وكان رد فعل الباكستانيين من مختلف أطراف الطيف السياسي، وبينهم عدد كبير من المتعاطفين مع الإسلاميين، الغضب الشديد على نحو مماثل.

وتدعو يوسف زاي لحقوق الفتاة في التعليم. والناشطة التي بدأت نشاطها في سن مبكرة وتتمتع بجاذبية على شاشات التلفزة، أصبحت رمزاً للشجاعة الخالصة في وجه شر عديم الرحمة. وكان وضعها الصحي قد استقر أخيرا، لكن احتمالات شفائها بالكامل من آثار الهجوم تبقى غير مؤكدة.

مفترق طرق

بالنسبة لباكستان، تمثل هذه الحادثة المأساوية مفترق طرق صعب. فهل سيستمر السياسيون والمثقفون الأكثر إثارة للصخب في التظاهر بأن مشكلة الإرهاب في بلادهم هي من صنع أميركا، أم انهم سيتوصلون، أخيرا، إلى التصالح مع الحقيقة الصعبة والتي لا يمكن تجنبها. فالرجال الذين أطلقوا النار على ملالا يعدون بالعودة لإنهاء المهمة، إذا تماثلت للشفاء ونجت من الموت، وهم يمثلون أيديولوجية من منشأ محلي تهدد بجر البلاد إلى القرون الوسطى.

 ولقد برر ناطق باسم طالبان هذا الهجوم في صحيفة باكستانية، متهما الفتاة بأنها ذات "عقلية علمانية" و "موالية للغرب". وأضاف بيان صادر عن المجموعة الإرهابية بعض الاتهامات الأخرى التي تُقرأ على نحو ملتاع كالآتي: "كل من يقود حملة ضد الإسلام والشريعة يؤمر بقتله".

ويذهب البيان إلى اتهام ملالا ب"دعوة المسلمين إلى كراهية المجاهدين" وبالدفاع عما "يدعى الاعتدال التنويري". وينتهي البيان بتهديد لا يقل وضوحاً تجاه الباكستانيين أنفسهم: "استيقظوا وإلا". والبيان لا يأتي على ذكر أميركا.

ويبدو جليا أن وقف ضربات الطائرات الموجهة عن بعد الأميركية في المناطق القبلية قرب الحدود مع أفغانستان لن يهدئ من ضراوة المتشددين، ولن يفعل ذلك عرض باكستاني ينم عن نية حسنة للتفاوض مع طالبان.

إذا كان هناك من شيء يمكن تعلمه، كما يبين التاريخ، فهو أن الضعف يشجع المتشددين العنيفين على الاعتقاد بأن رؤيتهم المنتمية إلى القرون الوسطى، وما تعنيه على صعيد بناء مجتمع تحكمه قواعد صارمة على خلاف مع حقوق النساء والأقليات وحرية التعبير، هي على بعد خطوات من أن تصبح واقعا.

وإذا ما قامت أميركا بفك ارتباطها العسكري بالمنطقة، كما يشدد أمثال الشعبوي عمران خان، الذي كان يمارس لعبة الكريكت قبل تحوله إلى السياسة، فان النتيجة لن تكون السلام وإنما التصعيد في القتل والتدمير.

مواقف متناقضة

لكن لا يزال هناك احتمال كبير في أن تكسب باكستان الوعي المطلوب الذي تحتاجه لهزيمة الهمجية في وسطها. فقد زار قائد الجيش الباكستاني، أشفق برويز كاياني، المستشفى العسكري في بيشاور، أخيرا، حيث كانت تعالج ملالا آنذاك، قبل نقلها إلى لندن، وصرح "أنها رمز للشجاعة والأمل".

لكن المؤسسة التي يرأسها مضى لها وقت طويل في عملية تمييزها الخطير بين جناحين داخل حركة طالبان. فهي تعارض طالبان باكستان، التي قامت بمهاجمة الفتاة، لكن هناك اعتقاداً راسخ بانها تدعم أبناء عمومتهم الأفغان الذين يستهدفون قوات حلف شمالي الأطلسي "ناتو" ويهددون استقرار أفغانستان.

وعلى نحو مماثل، ذهب خان مباشرة إلى عائلة يوسف زاي المنكوبة، وعرض دفع فواتيرها الطبية. لكن كامل الحياة السياسية للاعب الكريكت السابق مبنية على الفرضية المراوغة بأن الصراع ضد الإرهاب يعد "حرب أميركا" وليس باكستان.

وقبل ما يقرب اليومين من الهجوم على يوسف زاي، قاد خان موكبا إلى إقليم "خيبر باختونكوا" محتجا على ضربات الطائرات الموجهة عن بعد الأميركية على المناطق القبلية لباكستان. وهاجم معتقل خليج غوانتانامو، وخنوع باكستان لأميركا، والسياسيين الذي اضروا بالبلاد "أكثر مما كان بإمكان اليهود أن يفعلوا".

باختصار، فيما يجد معظم الباكستانيين سهولة في إدانة الهجوم الوحشي على فتاة جريمتها الوحيدة هو الجهر بإيمانها في حقها في التعلم، فإن هناك نسبة أقل بكثير بينهم على استعداد لإدانة الذين شنوا الهجوم عليها مباشرة، من دون تقديم اعتذار أو التهرب من الموضوع. لكن إذا كنا من المتفائلين، فإنه قد يكون لفتاة لها من العمر 14 سنة وترقد على فراش في المستشفى، القدرة على تحريك النقاش في باكستان، أخيرا، باتجاه التعقل، وربما سيبدأ المزيد من الناس في تبيان ما هو جلي وواضح، بأنه عليهم في النهاية أن يختاروا ما إذا كانوا يريدون العيش في بلاد بأحلام يوسف زاي أو مع طالبان.

وهذه ليست حرب أميركا، بل حرب باكستان.

 

 

الإدانة الضعيفة

 

 

توجد نسبة ضئيلة جدا بين أوساط الباكستانيين على استعداد لإدانة البنى التحتية للكراهية المتفشية في وسطهم، مثل المدارس المتشددة، وخدمات التجسس بالتواطؤ مع المتشددين، والسياسيين الذين يبدون دفاعا أكبر عن الإرهابيين أكثر مما يدافعون عن ضحاياهم، ومثقفون يفضلون تقديم الأعذار والتبريرات الواهية لبلادهم بدلا من تشخيص أمراضها بأمانة، فيما هناك قلة من الشجعان التي تسير عكس التيار، في الصحف الناطقة بالإنجليزية في معظم الأحيان، ومن المنفى أحيانا، وتخاطر بأن توصف بالخائنة فيما يفترض أن يصفق لها لوطنيتها