كل من هو على معرفة جيدة بتركيا لا بد أنه شاهد التماثيل المنتشرة لمؤسس الدولة، كمال أتاتورك، في كل مكان. وفي بعض الأحيان، كان ينقش على تلك التماثيل اقتباسات من أقوال مؤسس تركيا الحديثة. ومن الأقوال الأكثر شهرة: "السلام في الوطن والسلام في العالم". والمقصود من هذا القول أن تركيا لن تحاول استعادة الإمبراطورية العثمانية القديمة، وسيجري احترام الحدود المبينة في معاهدة لوزان عام 1923.
والاستثناء الوحيد من هذه القاعدة كان في عام 1939، عندما أعطيت أنطاكية (هاتاي اليوم) إلى تركيا. ورفضت سوريا ذلك حيث كان العديد من سكانها من العرب، وليسوا من الأتراك، وشهدت علاقاتها مع تركيا حالة من التوتر. فسمحت لحزب العمال الكردستاني بإقامة قاعدة له في وادي البقاع، حيث يمكنه أن ينطلق منها، ويسدد ضرباته في مناطق جنوب شرق تركيا. ولهذا التاريخ تداعيات على المواجهة الراهنة التي تجري بين الجارين.
وتركيا أحسنت صنعا انطلاقا من صيغة أتاتورك في معظم الأحيان. صحيح أنها غزت قبرص في عام 1973، لكن عدا ذلك، كانت تحركاتها في الخارج لا تتم إلا بصحبة دولية. كما في مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، على سبيل المثال. وفي منطقة سيئة الصيت باضطراباتها، تعد تركيا جزيرة من الاستقرار والازدهار. ولدى إسطنبول أمور مشتركة مع برشلونة اكثر مما لديها مع القاهرة. ورئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان كان محافظا ناجحا إلى حد كبير لتلك المدينة، وهو الآن قائد ناجح جدا لحزب سياسي يعاد انتخابه باستمرار، وهو حزب العدالة والتنمية.
عاطفة دفينة
وحازت تركيا الاحترام بعد الحرب العالمية الأولى، لكن مكانتها تراجعت منذ ذلك الحين. الآن، هناك عاطفة دفينة تلهم أردوغان، فهو يريد أن يظهر للعالم أن الأتراك قد عادوا، وأن الإسلام متوافق تماما مع الرأسمالية والتعليم الحديث.
وإنجازاته في الداخل مهمة. لكنه في مجال السياسة الخارجية، اختار الشجار مع إسرائيل، ووزير خارجيته أحمد أوغلو قال إنه يتطلع إلى صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، ما أن تصبح القدس عاصمة فلسطين.
الآن تركيا هي في حالة أشبه بالحرب مع سوريا، وقد اندلعت مواجهة ضارية على الحدود، مع تبادل القصف بالمدفعية. وهناك 10 آلاف لاجئ سوري في المخيمات التركية.
ولقد سارع أردوغان لتمرير مشروع قانون عبر البرلمان يسمح بالحرب، إذا دعت الضرورة. وقال: "لسنا مهتمين بالحرب، لكننا لسنا بعيدين عنها أيضا، لقد وصلت الأمة إلى ما وصلت إليه اليوم عبر خوضها الحروب القارية".
وهذه ثورة في الشؤون التركية. صحيح أن هناك انتعاشا في الاهتمام بالإمبراطورية العثمانية، خلال العقد الماضي، بل هناك مسلسل تلفزيوني طويل حول السلطان سليمان القانوني الذي حكم خلال القرن السادس عشر، وهذا كله تطور نحو الأفضل بعد حقبة كان يجري خلالها تعليم الأطفال الأتراك أن العثمانيين شكلوا "الفساد في الماضي القديم"، وأن لغتهم نفسها يجب تخليصها من الكلمات العربية.
لكن فكرة العثمانية الجديدة التي بزغت في بعض الأوساط، والتي تدعو إلى وجوب تولي تركيا مسؤولية الأراضي العثمانية السابقة، هي مجرد رومانسية خالصة. والعلاقات مع سوريا لم تكن دوما سهلة. والحاكم العثماني الأخير لسوريا جمال باشا، لم يستطع أن يضبط الأوضاع إلا من خلال نصب المشانق والنفي الخ.
التوجه للغرب
مما لا شك فيه أن تورط تركيا في الوضع السوري كان خطأ. ولا يوجد أحد يشعر بالحماس لذلك، حتى من الاتباع الأكثر إخلاصا لرئيس الوزراء. فتركيا متجهة بشكل ثابت إلى الغرب إلى حد أنه يصعب حتى إيجاد خبراء يتحدثون باللغة العربية أمام وسائل الإعلام.
وتبدو المخاطر جلية للعيان. أولا هناك فتح لجبهة كردية جديدة. وكما ساعد الأتراك الثوار السوريين، كذلك يساعد السوريون حزب العمال الكردستاني. والأجواء متوترة، وهناك معركة الآن داخل المناطق الكردية بين المصلحين من جهة، والمحافظين وحزب العمال الكردستاني. ومجددا، ليس سكان "هاتاي" عربا في معظمهم فحسب، وإنما أيضا هم من أبناء الطائفة العلوية. وهناك اضطرابات في المنطقة.
وتركيا ليست مسؤولة عن ذلك، لكن هذا الانفجار المفاجئ للثقة بالنفس الذي ألهتمه النجاحات المهمة للحكومة التركية قد وصل إلى درجة الغرور وما اجتمع من حكمة وتردد في مواجهة الوضع المعقد في العراق ذهب أدراج الرياح. يجب أن يعودوا إلى وضعهم السابق، فقد كان كمال أتاتورك محقاً.
مخاطر
تورط تركيا في الوضع السوري يبدو أنه آخذ بالتحول إلى أمر سيء بالنسبة لها، ويرد النظام السوري على ذلك من خلال رعاية الأعمال الإرهابية في المناطق الكردية جنوب شرق تركيا، وربما قريبا في أماكن أخرى. ولا يمكن الاعتماد على مساعدة الأميركيين، في فترة انتخابات رئاسية. وقد رفضت اقتراحات أوغلو بشأن منطقة حظر طيران فوق شمال سوريا بشكل مهذب. ويمكن أن تنتهي تركيا إلى أن تصبح بمفردها عندما يتعلق الأمر بعمل مشترك.
في غضون ذلك، تبدو المخاطر جلية للعيان. أولا هناك فتح لجبهة كردية جديدة. وكما ساعد الأتراك الثوار السوريين، كذلك يساعد السوريون حزب العمال الكردستاني. ولقد بدأت التفجيرات الإرهابية، وهذا لن يساعد السياحة التي لا تزال مصدر دخل مهما لتركيا. ولن يسعف العلاقات الكرديةالتركية أيضا، التي ما زالت في وضع أفضل بكثير مما يمكن أن يتوقع لها.
