أدى القصف المميت من جانب النظام السوري لقرية تركية، وهي الحادثة الأكثر خطورة ضمن سلسلة من الحوادث التي وقعت عبر الحدود هذه السنة، إلى وضع المجتمع الدولي في حالة تأهب. والسؤال المطروح هو: إلى متى يمكن لأميركا و"ناتو" ومجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي واللاعبين الرئيسيين غير الغربيين، مثل روسيا والصين، إبقاء الأزمة السورية المتفاقمة على مسافة من الغير، وأن تحول دون امتدادها، من خلال الشجب والتحريض ضد نظام الأسد، والشجار فيما بينها، دون أن تفعل إلا القليل؟

فالتكهنات بانتشار العنف، الذي تسبب في إزهاق أرواح 31 ألف شخص حتى الآن، إلى ما وراء الحدود السورية، أصبحت حقيقة اليوم. وهذا الاتجاه يهدد السلام والأمن الدوليين بشكل مباشر، على النحو المحدد في ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك،مازالت القوى العظمى تنأى بنفسها عن فعل أي شيء حيال هذا الموضوع الذي يحتاج إلى علاج. وواقع أن تركيا قد أجرت حسابات خاطئة خطيرة، بداية من خلال الاستخفاف بقوة الأسد في البقاء بالسلطة ونزوح اللاجئين، يثير المخاوف من قيام قادتها بإساءة تقدير الأوضاع مرة أخرى تحت الضغوط، مما سيؤدي إلى التصعيد العسكري.

مواقف دون فعل

وبعد تعرض تركيا للهجوم، أخيرا، صدر بيان عن "ناتو" اعترف فيه الحلف بأن مشكلات سوريا الداخلية أصبحت الآن شأنا يهم الجميع. وجاء في البيان: "أصبحت الأعمال العدوانية الأخيرة للنظام السوري على الحدود الجنوبية-الشرقية ل (ناتو) انتهاكا سافرا للقانون الدولي، وتهديدا لا لبس فيه للأمن". لكن الأسد يمكنه تجاهل هذه المخاوف بوصفها هراء لا قيمة له.

وكان الأمين العام ل "ناتو"، أندريس فوغ راسموسن، قد أوضح أن الحلف لا نية لديه في إعادة تكرار التدخل الليبي . ورد الفعل أميركا وبريطانيا وغيرها على قصف قرية " أكجاكالي" كان قويا بشكل مماثل، وفي الوقت نفسه لا قيمة له. فقد وصفت وزارة الخارجية الأميركية الحادث بأنه "انحراف" فيما قال وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، إنه "عمل شائن". لكن لم يذكر أي منهما أي إجراءات عملية.

ولم تظهر لا أميركا ولا بريطانيا رغبة، على سبيل المثال، في إيجاد ملاذات آمنة على الحدود السورية- التركية، أو منطقة حظر طيران من النوع الذي تم فرضه في العراق خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي يلقى دعم فرنسا وتركيا. وروسيا التي قالت إنها لن تدعم بيانا دوليا يدين نظام الأسد لأن الهجوم على القرية التركية كان "حادثا"، وافقت أخيرا على بيان لمجلس الأمن، بعد إصرارها على حذف جملة في مشروع البيان الأصلي تصف الهجوم السوري بأنه خطر شديد على السلام والأمن الإقليميين، حيث أشار بيان مجلس الأمن التوافقي بدلًا من ذلك إلى المخاوف المتعلقة بأثر الأزمة في سوريا على جيرانها وعلى السلام والاستقرار الإقليميين.

وعلى هذا الأساس، فإن جهود تركيا لحشد دعم دولي سيكون لها تأثير محدود، وأي معونة على هذا الصعيد ستركز على دفاع تركيا عن نفسها، بدلا من معالجة الأزمة السورية الأوسع نطاقا. ولقد لاحظت كاتبة العمود الصحافي في صحيفة "زمان" التركية، لالى كمال الآتي: "لم ينتج عن التعاون الثنائي التركي- الأميركي وعن الاجتماعات المتعددة الأطراف التي تجري بين الدول المختلفة لإنهاء سفك الدماء في سوريا، أي وصفة لعلاج المشكلة. وفيما القتال يجري قرب الحدود التركية، بدأت تنفد من الدول الأفكار حول ما يفترض فعله مع سوريا، وبدأت تنفد الذخائر من ثوار الجيش السوري الحر ".

وأخيرا، قامت تركيا باستضافة مؤتمر قمة لرؤساء أجهزة المخابرات، وتقول كمال: "تعكس القمة سعي تركيا إلى أن لا تترك وحدها للتعامل مع الأزمة السورية وسعيها لتحسين تبادل المعلومات الاستخبارية.. وكيفية التنسيق وتطوير قدرة الجيش السوري الحر على القتال، لكن القمة المعقودة لم ينتج عنها أية نتائج".

خوف من التسليح

وهذا يعود، في جانب منه، إلى عدم رغبة أميركا في تسليح الجيش السوري الحر، خوفا من احتمال وقوع الأسلحة في يد تنظيم القاعدة، فيما تقلق تركيا من حصول الشيء نفسه مع المقاتلين الأكراد الانفصاليين.

ورغم ذلك، فإن عدم القيام بشيء، وتفضيل حلفاء تركيا الدوليين الانتظار قد لا يكون قابلاً للاستدامة سياسيا لوقت أطول فيما تتفاقم الأزمة السورية لا محالة. وتركيا لن تذهب وحدها، على الرغم من الخطوة البرلمانية التي أعطت تفويضا بعمليات عبر الحدود. لكن الضغوط نحو القيام بتدخل مباشر متعدد الأطراف، وعلى الأرجح من خلال "ناتو"، يتزايد بين الدول العربية وفي أميركا.

وقد قال أحد الخبراء من مركز الشؤون الدولية التابع لجامعة نيويورك، أخيرا، إن التحرك المباشر أصبح أمرا مرغوبا به، ولا يمكن تجنبه، والطريق الأفضل إلى ذلك يقضي بإقامة منطقة حظر طيران. وأضاف: "الآن بما أن تركيا تطلب ذلك، فإن مجاراة (ناتو) في مسعاها وسير أميركا إلى جانبها، يعدان تغييرا في الموقف. لم يكن في السابق لتركيا الشرعية القانونية للتدخل، لكنها الأن باتت تدرك أن الجميع يتدخل.

 لقد انتهى نظام الأسد، لكن متى سيحدث ذلك يعتمد على ما تقوم به القوى الأخرى وتوقيت تحركها. فإذا ما قررت أميركا وتركيا بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، وبالتحديد هذان البلدان، أن الوقت قد حان، فإن بمقدورهما تسريع نهايته".

 

تدخل مباشر

 

إن تفضيل حلفاء تركيا الدوليين الانتظار قد لا يكون خياراً قابلاً للاستدامة سياسيا لوقت أطول فيما تتفاقم الأزمة السورية لا محالة. وتركيا لن تذهب وحدها، على الرغم من الخطوة البرلمانية التي أعطت تفويضا بعمليات عبر الحدود. لكن الضغوط نحو القيام بتدخل مباشر متعدد الأطراف، وعلى الأرجح من خلال "ناتو"، تتزايد بين الدول العربية وفي أميركا، حيث يتعرض موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما القاضي بعدم التدخل إلى هجوم من قبل الجمهوريين.