لولا الهجوم القاتل على القنصلية الأميركية في بنغازي لما كان المرشح الجمهوري في سباق الرئاسة الأميركية ميت رومني يجد نفسه في مواجهة إلقاء خطب متعددة عن السياسة الخارجية الأميركية كما تصورها في المراحل الأخيرة من الموسم الإنتخابي، ولكن المرشح الجمهوري تلمس ثغرة في عثرات الرئيس الأميركي باراك أوباما في ليبيا. ومن هنا بادر إلى التركيز على أنه سيكون راعياً أفضل من غريمه للأمن القومي الأميركي.

وبالنسبة لرأي عام أميركي يركز بشدة على الاقتصاد، فإن تأكيداً آخر من جانب رومني على مزايا عدم كونه أوباما سيكون إهداراً للوقت، والأميركيون يشعرون بأنهم أكثر ارتياحاً عندما يكون لديهم شعور برؤية المرشح، لأن ذلك يعطيهم خارطة طريق أوضح للمستقبل.

رؤية رومني

ومن هنا فإنه يتعين على رومني أن يصوغ رؤيته لمكانة أميركا في العالم بطريقة معقولة بالنسبة للشعب الأميركي أو لأصدقائه أو خصومه على حد سواء. ويمكن الدفاع عن رؤية تشكل مفارقة مع رؤية أوباما، ولكن حتى الآن لم يبلور رومني مثل هذه الرؤية.

إن أي رؤية جديدة للعظمة الأميركية في العالم لا بد لها من أن تنبع من فهم للكيفية التي تغيرت بها أميركا منذ عام 2001. فنحن لا نزال أدنى أمة في العالم، ولكن الأميركيين أكثر فقراً وإعياءً من الحرب وضيقاً بما يبدو أنه نكران للجميل من جانب دول ضحينا من أجلها بالدم والمال. وهناك أجنحة يعتد بها من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، ترغب في أن تنفض يديها من مشكلات العالم.

وفي هذه البيئة لا بد لرومني من أن يقدم تفسيراً واضحاً للكيفية التي شكلت بها القوة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الأساس للعهد الأكثر ازدهاراً ونجاحاً في التاريخ البشري. وكيف أن سيطرتنا على أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم قد سمحت بازدهار التجارة، وكيف أن تصدير مبادئنا المتعلقة بالحرية السياسية والاقتصادية قد فتحت وغذت الأسواق التي تشتري السلع الأميركية وتوظف العاملين الأميركيين، وتسمح للأميركيين بالتمتع بمستوى من الأمن لم يسبق له نظير.

تأثير محمود

الأمر الأكثر أهمية هو أنه لا بد للأميركيين من أن يعرفوا أن الولايات المتحدة لن تمارس قيادتها من أجل المنافع التجارية وحدها، وإنما يرجع ذلك إلى انه ليس هناك شعب وليست هناك قوة تستطيع أن تمارس تأثيراً محموداً على النحو الذي ميز الدور الأميركي في العالم. وسواء أكنت تحب حرب العراق أم تكرهها، وتحب القتال في أفغانستان أم تمقته، وتؤمن بمواجهة تنحية الرئيس السابق معمر القذافي من سدة الرئاسة أم لا تؤمن به، فإن الولايات المتحدة لم تتدخل في أي من هذه الحالات لأغراض الشهرة.

ومن سوء الحظ أن رومني لم يتقدم بهذا الطرح، وعندما طلب منه أن يقدم نقاطاً محددة حدد معالم سياسة نحو إيران لا تختلف كثيراً عن سياسة أوباما. وعندما تم الضغط عليه ليوضح ما الذي سيقوم به على نحو مختلف إزاء سوريا، أشار بحذر بالغ إلى أنه وجد نفسه إلى يسار الجناح التدويلي في حزبه، وركز بشكل مضاعف على أن روسيا تظل تهديداً جيوستراتيجياً دون أن يقدم أي دليل مقنع على أن الأمر كذلك بالفعل.

ليس مرد الأمر إلى أن رومني لا يقدم، أو ليس بمقدوره أن يقدم، رؤية أكثر إقناعاً للقيادة الأميركية. ففي حقيقة الأمر لديه مثل هذه الرؤية، ولكن الآن هو الوقت المناسب لتقديمها للرأي العام.

لا بد لرومني أن يوضح أنه يملك تصوراً استراتيجياً للقوى الأميركية يختلف عن النهج الضيق والتكتيكي الذي اتبعته إدارة أوباما. ولا بد له أن يبلغ الأميركيين بأنه لن يهمل التهديدات الإرهابية على نحو ما فعلت إدارة أوباما في بنغازي، وأنه لن يقاتل لطرد دكتاتور في ليبيا، ويتجاهل مناشدات ثورة أخرى في سوريا.

من الواضح أن الولايات المتحدة لا يمكنها القيام بكل شيء، ولكن لا بد لنا من التمسك بالمبادئ التي أسست عليها أميركا، وأن نرفض النسبية الأخلاقية والسياسية والثقافية التي ازدهرت في ظل إدارة أوباما.

يمكن لرومني أن يدافع عن القول بأنه عندما يقاتل الناس من أجل حريتهم فسوف يجدون الدعم من الرئيس الأميركي، ويكون ذلك في بعض الأحيان دعماً سياسياً، وفي أحيان أخرى اقتصادياً، وفي غيرها دعماً عسكرياً.

لا بد لرومني من أن يضيف المزيد على نداءاته من أجل عظمة أميركية متجددة، ونحن يمكننا من خلال رؤية واضحة للقوة الأميركية التي تطبق على صعيد استراتيجي أن ننجز أموراً عظيمة بالاستعانة بموارد أقل. وأعظم قوة لأميركا ليست قوتها العسكرية أو إنتاجيتها الكبيرة، وإنما هي الالتزام الأميركي بالمبادئ التي أسست عليها الولايات المتحدة، والتي تدور في جوهرها حول التحولات الخارجية والسياسية والاقتصادية. وإذا كان بمقدور رومني أن يحدد للناخبين كيف سيستخدم القوة الأميركية للمضي قدماً بهذه المبادئ، فإنه سيقطع شوطاً طويلاً في إقناعهم بأنه يستحق باقتدار منصب الرئيس الأميركي.

 

"كليشيهات"

 

لقد تردت الانتقادات لسياسات أوباما المتعلقة بالأمن القومي إلى سلسلة من "الكليشيهات" التي تدور حول الاعتذارات والارتباط بإسرائيل والإنفاق الدفاعي. ومن المؤكد أن هناك ما يزيد على جرثومة من الحقيقة في كثير من هذه الاتهامات، ولكنها شكاوى وليست بدائل، والأمر الأسوأ من ذلك هو أنها تفصح عن العداء الروبوتي نفسه الذي حرك كارهي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ومقولة: "لن أعتذر عن أميركا" ليست أقل في ارتفاعها عن مقولة: "دعونا نبني الوطن من الداخل".