تبدو مدينة بنغازي ومعظم الأراضي الليبية في حالة فتور ما بعد الثورة، بعد مرور ما يقرب سنة على سقوط النظام البغيض للرئيس الليبي السابق معمر القذافي. ويستحضر الوضع هناك بلا شك تلك العبارة المخيفة "الدولة الفاشلة"، فالأمن ضعيف في أفضل الأحوال، وغائب كليا في بعض المواقع. والاقتصاد لا يكاد يتحسن عما كان عليه خلال الحرب. وهناك سيارات محروقة في حي الأعمال المركزي، والقمامة منتشرة في كل مكان.
وبعد شهرين على انتخاب الحكومة السابقة، تصاعدت الاشتباكات الطائفية، ودمر في وضح النهار اثنان من الأضرحة الصوفية الأقدم والأكثر إجلالا، أحدها في 25 أغسطس الماضي خارج فندق في طرابلس، والآخر عبارة عن ضريح يعود إلى 500 سنة، ومكتبة تحوي الألوف من النصوص الإسلامية، في اليوم السابق في زلتان، وهي بلدة تقع على بعد 90 ميلا شرق العاصمة. ويعتقد المتشددون أن تموضع ضريح صوفي في أروقة المسجد هو من المحرمات.
وفي أعقاب الهجمات، توصلت الجلسة الخاصة المنعقدة للمؤتمر الوطني العام المنتخب حديثا، إلى إقرار وزير الداخلية آنذاك، فوزي عبد العال، في تصريح له، بأن الحكومة الجديدة أضعف من جماعات المتشددين، وقدم استقالته في فترة لاحقة.
قضايا مؤرقة
ويبدو أن قلة ستقف في وجه المتشددين ،إذا ما استهدفوا تدمير الآثار القديمة لليبيا. وبعض التماثيل الرومانية كان لا بد من إزالتها في موقع صبراته الأثري العظيم، لحمايتها من الهجمات.
والأمر المحزن أن القضايا التي تقض مضاجع الليبيين، فيما هم يحاولون، غالبا بنية حسنة، تأسيس دولة تقوم بكل مهامها، تذهب أعمق وأكثر اتساعاً من التشدد. فقد نجم عن أربعة عقود من الدكتاتورية انتشار واسع للخمول وغياب لمعنى امتلاك المجال العام. وتبدو ليبيا في معظم الأحيان قادرة على تجاوز هذا المزيج السام، كما في الانتخابات الوطنية العادلة والحرة التي جرت في 7 يوليو الماضي، لكنه مع ذلك، يبرز بوضوح في كيفية معاملة ليبيا لتاريخ ثورتها الحديثة.
وفي بنغازي، وقبالة المحكمة التي أدى الاحتجاج الصامت لنقابة المحامين في 15 فبراير 2011 إلى سقوط الدكتاتورية التي دامت 42 سنة، يوجد لعبتا تزحلق للأطفال قابلة للنفخ مرسوم عليهما "الرجل الوطواط" و"الرجل العنكبوت".
وحتى بداية فصل الربيع من عام 2012، كانت هذه أرضا تحظى بالإجلال، وجدار المحكمة كان مغطى بملصقات مصنوعة باليد لشهداء الثورة. وكان الأهل يصطحبون أطفالهم لرؤية من استشهد في سبيل حرية ليبيا. وكانت أكشاك لعشرات المنظمات غير الحكومية توزع أدبياتها. وكان باعة الأشياء التذكارية يبيعون القمصان القطنية، وعلاقات المفاتيح، وأكواب القهوة، وتقريبا كل شيء يمكن تخيله إلى جانب علم الثورة.
وكانت العائلات تصطحب الأولاد للاحتفال بحريتهم الناشئة حديثا. في أبريل 2011 ، كان للمشهد طابع يوتوبي، مع وجود قهوة الإسبرسو المجانية، والحرف المؤثرة التي ينقصها المهارة، وكان الليبيون ما زالوا يشعرون بالإثارة لقدرتهم على التعبير عما يدور في رؤوسهم إلى الأجانب.
وكل هذا قد تغير. فالصور والأدبيات ذهبت أدراج الرياح، والباعة يبيعون إكسسوارات الحمامات والزجاج بدلا من الأعلام الليبية. وعلى الرغم من وجود بعد السقالات حول المحكمة، فانه لا شيء يدور داخلها. وفيما يتعلق بهدم جدار الشهداء، يقول عبدالله دوما، المصور الليبي لوكالة "فرانس برس": "لو كان النظام القضائي يقوم بأعماله، فإن الأمر يستحق ذلك عندئذ، لكن مضت الآن أربعة أشهر على تدميره والمحكمة لا تقوم بأعمالها".
وعبدالله دوما كان أول من أرسل أفلام الفيديو عن الثورة. قاد أخوه السيارة بهما 500 كم جنوبا إلى مكتب شركة سيمنز في الصحراء، لكي يتمكن من إرسالها بالبريد الإلكتروني إلى قناة الجزيرة, وبوصفه من الذين اخبروا العالم الخارجي عن الثورة من خلال مركز إعلام بنغازي، يشعر دوما بقوة كما يشعر غيره، بأن المواد الخام الأولية للتاريخ سوف تضيع مع مرور الزمن. يقول: "كنا نأمل أن تتحول هذه المحكمة إلى متحف".
لكن في أماكن أخرى، في مدن ليبيا الأصغر حجما، فان المواطنين يظهرون روحا تنم عن حب للمصلحة العامة، واهتمام أكبر بالحفاظ على ماضيهم الثوري. في أدرنة، 200 كم شرق بنغازي، أعاد السكان المحليون بناء الضريح الذي فجره المتشددون في يوليو الماضي، إلى جانب غرفة في جامع الصحابة جرى تكريسها لعرض صور الذين قتلوا على يد النظام حين كان هذا الأخير في السلطة. سمية إدريس إللاجي، البالغة من العمر 25 عاما والمرشحة لانتخابات المجلس المحلي في أدرنة، تقول أنها استمدت إلهامها من "كيفية وهب شهداءنا أرواحهم" خلال الثورة. وهذا هو نوع الوعي من الماضي الذي يعطي أملا للمستقبل.
وفي صبراته، غرب طرابلس، نظف المواطنون مدينتهم، وزرعوا الأشجار على كلفتهم الخاصة، ومنحوا ميداناً اسم الثورة. وتقوم مجموعة في ميناء مدينة زوارة بقيادة سنوسي محرز، وهو جنرال في الجيش الليبي قاد لواء من المتمردين خلال الثورة، بمحاولة تأسيس متحف في مبنى يعود إلى 100 عام.
احتياجات ملحة
ومن الواضح أن الحكومة السابقة للبلاد كانت لديها احتياجات اكثر إلحاحا من تلك المتاحف الجديدة. فالأمن وكفاءة عمل الخدمة المدنية من الأولويات الأهم بالنسبة لها، والغرب في هذين المجالين يمكنه أن يقدم مساعدة بصورة أفضل. لكن قادة ليبيا الجدد يجب أن يعوا، ربما أكثر من غيرهم، أن الشعب الذي لا يحترم ماضيه، ويخفق في كتابة تاريخه، سيجد أن هناك من سيتولى كتابته عنه.
مزيج سام
أدت أربعة عقود من الدكتاتورية تحت حكم الرئيس الليبي السابق معمر القذافي إلى انتشار واسع لحالة من الخمول وغياب لمعنى امتلاك المجال العام. وهذا مزيج سام شائع في العالم الإسلامي. وتبدو ليبيا، في معظم الأحيان، قادرة على تجاوزه، كما في الانتخابات الوطنية العادلة والحرة إلى حد كبير، التي جرت في 7 يوليو الماضي. لكن هذا المزيج السام يتضح بشكل ساطع في الكيفية التي تعامل بها ليبيا تاريخ ثورتها الحديثة.
