سئل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، بعد أشهر من انتخابه لأول مرة رئيساً لفنزويلا في عام 1998، خلال فعالية نظمها مركز الحوار بين البلدان الأميركية في واشنطن، كيف سيتمكن من الحفاظ على التوازن الديمقراطي في ظل غياب معارضة فعالة. وشافيز الذي يعد مشجعاً متحمساً لكرة البيسبول، سارع إلى الرد قائلاً: "هذه ليست مشكلتي، فأنا أقف في ملعب فريقي لألعب معه، والجانب الآخر يقف في ملعب فريقه ليلعب معه. وهكذا تجري المباراة".

لكن فريق شافيز هو إحدى السلالات الحاكمة التي تبدو اليوم أقل حضوراً عما كانت عليه في ذلك الوقت. وقد فاز بالانتخابات لأول مرة بفارق 16 نقطة. وفي المنافسات التالية في عامي 200 و2006، حقق فوزاً مدوياً بفارق 22 نقطة و26 نقطة على التوالي. وأخيراً، في 7 أكتوبر الجاري، هزم هذا القائد الشعبوي منافسه الرابع هنريك كابريلس رادونسكي. لكن هذه المرة، تقلص الفارق إلى 10 نقاط مئوية. والأمر الأهم يكمن في أن التوجه السياسي للبلاد قد تغير بشكل دراماتيكي.

وصفة سحرية

فاز شافيز، في نهاية المطاف، بالاعتماد على الوصفة السحرية التي أفادته كثيراً (وأفادت كل الشعبويين)، فقد أنفق كثيراً من المال العام على مؤيديه لضمان إخلاصهم السياسي. ومع وعيه الحاد بضعفه المتزايد، صعد شافيز آلية الرعاية التي تغذت خلال 14 عاماً من حكمه، وانشغل في انغماس إنفاقي في سبيل تحييد التحدي الذي تمثله معارضة متفوقة. وعلى الرغم من أن اقتصاد فنزويلا يمر بمتاعب في العمق، إلا أن المساعدة له تكمن في وجوده على رأس أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم.

وشافيز، الذي وصل إلى السلطة من خلال تماهيه مع الشكاوى المشروعة لكثير من الفنزويليين من غياب العدالة، برهن على أنه يحتفظ بروابط عاطفية قوية مع فقراء البلاد. ومنذ أن أصابه مرض السرطان في يونيو 2011، تباطأ نشاطه بصورة ملحوظة، لكن كارزميته وخطابه الجذاب لم يضمحلا، وسيطرته على وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية الأساسية لم تمس.

غير أنه فيما وراء قدرة شافيز على البقاء في السلطة، فإن الأمر المهم الذي برز في الانتخابات الأخيرة كان التحدي المثير للإعجاب الذي شنته المعارضة الموحدة. فقد أدار المحافظ السابق كابريلس حملة ذكية بشكل رائع. وللمرة الأولى، هناك منافس لشافيز ينافسه بشكل مباشر على الدائرة الأساسية الانتخابية للرئيس الفنزويلي، أي الفقراء جداً. ولقد قدم برنامجاً ديمقراطياً اجتماعياً، واستحضر الرئيس اليساري الشعبي السابق للبرازيل لويس ايناسيو لولا دا سيلفا بوصفه مثاله السياسي.

فرص مهدورة

ولم ينكر كابريلس انتفاع كثير من الفقراء تحت حكم شافيز، وبدلاً من ذلك جعل قضيته الفرص الهائلة المهدرة لتحسين رفاهية معظم الفنزويليين في ظل بيئة سياسية تتسم بتوافق الآراء، وليس الاستقطاب والضغينة. وأشار إلى إدارة الحكم الكئيبة للبلاد، كما تتجسد في البنى التحتية المتداعية ونقص السلع الأساسية والارتفاع الهائل في مستوى الجريمة، نسبة إلى الموارد المتوفرة تحت متناول الرئيس. ولقد طور مقترحات بديلة مدروسة جيداً لحكم فنزويلا.

والأكثر من ذلك، أن كابريلس، على عكس كثير من شخصيات المعارضة، حافظ على تركيزه وانضباطه في وجه استفزازات شافيز وتهكماته. ودافع عن نفسه ببراعة، ولم يفقد اتزانه. ومنح الفنزويليين مذاق ما تعنيه السياسات غير الصدامية.

ولقد حصلت المعارضة على 45% من الأصوات، وهذا ليس رقماً عادياً، أخذاً في الاعتبار وصول شافيز إلى موارد الدولة وسيطرته على معظم وسائل الإعلام.

لكن الإنجاز الأهم لكابريلس ولحركة المعارضة التي يقودها، لم يكن نتائج الانتخابات، بقدر ما هي مثيرة للإعجاب، وإنما مساهمتهم طويلة الأمد في تحسين الحياة والحكم والسلم الاجتماعي في فنزويلا. والقلق الرئيسي كان احتمال اندلاع العنف، حيث إن فنزويليين كثراً، على الجانبين، هم مسلحون. وخطاب كابريلس التصالحي المتسامي واستراتيجيته الانتخابية الناجحة الساعية إلى جعل مؤيدي تشافيز اكثر اعتدالاً، شكلت المناخ السياسي للبلاد على نحو بناء، وأعدتها للانتقال السلس في المستقبل. وهذا يعد إرث كابريلس الأعظم.

وسيكون من السذاجة الاعتقاد أن شافيز سيتلقى الرسالة، ويتحول نحو علاقة اكثر تصالحاً مع المعارضة، ويسعى لبرنامج اكثر اعتدالاً. بدلاً من ذلك، على الأرجح أن يفسر نتيجة فوزه بنسبة 55%، كتفويض له للقيام قدر ما في وسعه بتعميق ثورته البوليفارية التي امتدت 14 سنة. وهذا سيترجم في مزيد من السيطرة الحكومية على الاقتصاد ومزيد من تركيز السلطات في يديه. وسيعني هذا أيضاً تحدياً سياسياً مستمراً لأميركا، وروابط أوثق مع ايران وروسيا وكوبا وبيلاروسيا وغيرها من الحكومات التي بالكاد لديها مشاعر ودية تجاه واشنطن. والسؤال المهم هو ما إذا كان شافيز سينجح في تطبيق برنامج اكثر راديكالية، في مجتمع يتمتع الآن بوعي وتنظيم أكثر من ذي قبل.

تغير كبير

هناك احتمال أن تفقد المعارضة روحها المعنوية وتنكسر. لكن لا يوجد سبب لعدم استمرارها في إظهار الذكاء نفسه الذي أظهرته في الأشهر الأخيرة، وأن تركز على بناء تنظيمها وقاعدة مؤيديها بشكل منهجي، وأن يضع زعيم المعارضة هنريك كابريلس وغيره نصب أعينهم الانتخابات المقبلة المهمة للمحافظين في ديسمبر، ولرؤساء البلديات في أبريل المقبل. ويمكن أخذ العبر من الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا، الذي يعد النابغة السياسي الأول في أميركا اللاتينية، وخاض أربع محاولات قبل أن يحصل على الرئاسة في بلاده. ويفترض في غضون ذلك أن تصد أميركا أي إغراء بالتدخل في السياسة الفنزويلية.

ان التغير الكبير الآن يكمن في وجود فريقين في الميدان. قد يكون شافير ما زال ضارب الكرة في لعبة البيسبول، لكن رامي الكرة، لأول مرة في خلال 14 عاماً، يطلق كرات نارية.

 

 

مفاجآت كامنة

 

 

 

يفترض أن تحافظ أميركا على وضعها الحالي، وتصد أي إغراء بالتدخل في السياسة الفنزويلية. ومن غير الواقعي أن نتوقع أي تقارب بين البلدين، بغض النظر عمن سيفوز بالانتخابات الأميركية في نوفمبر المقبل.

وبالتأكيد، يبقى الوضع في فنزويلا على جانب كبير من الغموض، وصحة شافيز، كما أسعار النفط، تعدان من الأمور التي قد تتكشف عن مفاجآت. وهناك عدد من السيناريوهات المعقولة. لكن ما تغير بشكل كبير، أنه بات يوجد الآن فريقان في الميدان.