يعد تحول أميركا اللاتينية أحد التحولات الحاسمة في إعادة تشكيل النظام العالمي. وكان مد التغيير التقدمي الذي اجتاح المنطقة، على مدى العقد الماضي، قد حمل معه سلسلة من الحكومات الاشتراكية والاجتماعية الديمقراطية التي أعادت توزيع الثروة والسلطة، ورفضت العقيدة الغربية الليبرالية الجديدة، وتحدت الهيمنة الإمبراطورية. وبدأت، في السياق نفسه، في بناء أميركا جنوبية مستقلة حقا، لأول مرة خلال 500 عام، وأظهرت لباقي العالم أنه توجد، في النهاية، بدائل اقتصادية واجتماعية في القرن الواحد والعشرين.

وكان الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز وثورته "البوليفارية" في فنزويلا يحتلان مكاناً مركزيا في هذا المسار. وفنزويلا، القابعة فوق أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، هي التي قادت حركة التغير الجذري عبر أميركا اللاتينية، وضمنت عملية الاندماج الإقليمي الذي يعد أمراً حيويا بالنسبة لنهضتها. ومن خلال القيام بذلك، اكتسب القائد الفنزويلي الذي تُشوه سمعته باستمرار، عداوة أميركا وأتباعها من اليمينيين، بالإضافة إلى النخبة الاجتماعية والعرقية، التي مارست سلطتها على أميركا اللاتينية لمئات السنين.

دلالات الفوز

ينطوي الفوز الانتخابي الرئاسي الرائع لشافيز أخيرا، بنسبة 55% من الأصوات وبنسبة حضور 81% بعد 14 سنة في السلطة، على أهمية تتجاوز فنزويلا، أو حتى أميركا اللاتينية. وما هو على المحك يعد هائلا، فلو فاز منافسه الاوليغارشي هنريك كابريلس، لوصلت الثورة إلى طريق فجائي مسدود، مطلقة عمليات تخصيص وشطب للبرامج الاجتماعية، ليس هذا فحسب، وإنما أيضا توقف فجائي لدعم فنزويلا المهم للاندماج القاري، ورعايتها الشاملة للأطباء الكوبيين عبر نصف الكرة الأرضية، وخطط شافيز لتقليص اعتماد فنزويلا النفطي على السوق الأميركية.

ولقد أقنعت وسائل الإعلام الغربية في أميركا اللاتينية، إلى جانب مسؤولي الشركات، نفسها بأن هناك فرصة للنجاح أخيرا، وان هذه الانتخابات "يمكن توقع نتائجها مسبقا"، أو أن رئيس فنزويلا الذي يعاني من الضعف، وقد أقعده مرض السرطان، سيرفضه شعبه في النهاية.

وكل هذا عبارة عن شائعة مغرضة يعاد تكرارها باستمرار، مفادها أن شافيز هو من طينة الدكتاتوريين، وأن هناك طغياناً في فنزويلا، حيث الانتخابات مزورة ووسائل الإعلام مكممة الأفواه وطائعة. لكن كما اعترف قادة المعارضة، فإن فنزويلا ديمقراطية بكل المقاييس العقلانية، وبمستويات عالية من المشاركة بشكل استثنائي، والعملية الانتخابية خالية من التزوير أكثر مما هي في بريطانيا أو أميركا، ووسائل إعلامها يهيمن عليها قطاع خاص مناهض للحكومة يتميز بتقريعه المسيء جدا لها. وفي الحقيقة، أن التهديد الأكبر للديمقراطية الفنزويلية جاء من الانقلاب العسكري المدعوم أميركيا الذي أجهض عام 2002.

وهذا يأتي بنا إلى السبب الرئيسي وراء فهم كثير من الناس الانتخابات الفنزويلية على نحو خاطئ. وعلى الرغم من المزاعم بأن المد التقدمي في أميركا اللاتينية قد انهك واستنزف كليا، إلا أن الحكومات اليسارية والمنتمية إلى يسار-الوسط يعاد انتخابها، من الإكوادور إلى البرازيل إلى بوليفيا إلى الأرجنتين، بسبب تقليصها الفقر وعدم المساواة، ووضع يدها على موارد الطاقة لتنتفع بها الأغلبية المهمشة.

وهذا ما تمكن شافيز من القيام به على نطاق أوسع. فقد استخدم مداخيل النفط لفنزويلا والمؤسسات المملوكة للدولة، لخفض الفقر إلى النصف والفقر المدقع بنسبة 70%، وذلك من خلال التوسع الهائل في إمكانية الوصول إلى خدمات الصحة والتعليم، ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة كبيرة، ومعاشات التقاعد، وخفض البطالة وإعطاء تجمعات الأحياء الفقيرة السيطرة المباشرة على البرامج الاجتماعية.

الزعيم الأكثر نجاحاً

ويتضح من خلال زيارة أي تجمع أو مركز تصويت خلال الحملة الانتخابية، بشكل لا يقبل الشك، من الذين يمثلهم شافيز: الأغلبية المحرومة التي أعادته مجددا إلى السلطة.

وبالطبع لم يكن هناك نقص في الفشل والضعف على الصعيد الحكومي، ولقد تمكنت المعارضة من استهداف هذا الوضع، بدءا من الفرار من جرائم العنف والفساد وعدم الوفاء بالوعود والتنويع الاقتصادي وصولا إلى الاعتماد الزائد على القيادة الكاريزمية لرجل واحد. وحملة المعارضة الممولة أميركيا كانت أكثر تعقيدا مما كانت في السابق. فقد قدم كابريلس نفسه على أنه يمثل "يسار الوسط"، على الرغم من خلفيته اليمينية المتشددة، ووعد بالحفاظ على بعض البرامج الاجتماعية لشافيز.

لكن الرئيس الفنزويلي، بالرغم من ذلك، تقدم بـ 11 نقطة في النهاية. ومحاولة المعارضة الميل إلى اليسار تشير فقط إلى نجاح شافيز في تغيير المجتمع الفنزويلي وشروط التبادل السياسية. ولقد ظهر بوصفه زعيم اليسار الراديكالي الأنجح على الصعيد الانتخابي في التاريخ.

 

 

 

 

نموذج بديل

 

 

 

إعادة انتخاب شافيز تمنحه الفرصة لضمان أن ينبع تحول فنزويلا من العمق بحيث يتواصل على الدوام، كذلك تمنحه فرصة التغلب على الفشل في الإدارة وزرع مسار التغيير عبر القارة الأميركية الجنوبية. والثورة الفنزويلية لا تقدم نموذجا سياسيا يمكن زرعه مباشرة في أماكن أخرى، لأن إيرادات النفط تسمح للدولة بتوجيه الموارد إلى الفقراء، من دون التعدي الخطير على مصالح الأغنياء. لكن برامج الثورة الاجتماعية المبتكرة، وخبرتها في الديمقراطية المباشرة، ونجاحها في وضع الموارد تحت سيطرة الشعب تقدم دروسا لكل مهتم بالعدالة الاجتماعية، وأشكالا جديدة من السياسة الاشتراكية في باقي العالم. وانتخاب شافيز مجددا يضمن الآن أن المسار سيستمر، وان المجال المتاح لبدائل القرن الحادي والعشرين سينمو.