تزداد صعوبة التمييز بين يوم دموي والذي يليه في سوريا إلا إذا صار الرعب صارخاً للغاية فيما يتعلق بتحديد علامة مميزة على مسار الصراع البشع على نحو متزايد. فقد كانت داريا، وهي بلدة على الطرف الجنوبي الغربي من العاصمة دمشق و هي معروفة بمعارضتها العنيدة لكنها سلمية ضد نظام الأسد، من أبرز فصولها في هذه المعاناة. لكونها بلدة محاطة بالقوات الموالية للنظام من قاعدة جوية مجاورة، فقد تحملت خمسة أيام من القصف قبل اقتحام شامل، أخيراً.

 وأصبح نمط الهجمات، مع الغارات و عمليات الإعدام العاجلة، أمراً مألوفاً. لكن عدد الوفيات في داريا تجاوز حتى الآن أي عدد في حادث واحد. ووفقا لمصادر في المعارضة مدعومة بأشرطة الفيديو، فقد تم دفن مالا يقل عن 380 جثة في مقابر جماعية كثيرة، ملفوفة ببطاطين خشنة لأن أكفان الدفن البيضاء أصبحت شحيحة للغاية.

لقد كان شهر أغسطس الماضي الأكثر دموية بين شهور الثورة السورية، حيث لقي حوالي أربعة آلاف شخص مصرعهم بينهم ثلاثة آلاف مدني ومقاتل ثوري، والباقي إما جنود أو مسلحون موالون لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. و تجاوز معدل الوفيات 250 قتيلا في اليوم الواحد.

تقديرات المعارضة

وتشير تقديرات المعارضة إلى أن أكثر من 23 ألف سوري لقوا مصرعهم منذ بداية الاحتجاجات في شهر مارس من العام الماضي، فيما حــددت تقديرات الأمم المتحدة، الأكثر تحفظاً، العدد عند 17 ألف قتيل.

وعقب أحداث بلدة داريا، ظهر الرئيس الأسد على شاشات التلفزيون ليعلن أن عمليات القتال تدور بشكل أفضل من ذي قبل لكن الأمر بحاجة إلى "المزيد من الوقت". و بدا الأسد أقل رحمة عندما تحدث بشأن القضاء على الثوار و معاقبة البلدات و المناطق التي تقدم الدعم لهم.

وركّز مراقبون خارجيون في الآونة الأخيرة على المعركة حول مدينة حلب في الشمال، حيث يبدو أن قوات الأسد استعادت بسط سيطرتها هناك بعد شهر من قتال الشوارع المرير. لكن عمليات القصف الجوي للقوات الحكومية، و الذي قوبل بهجمات حرب عصابات لا هوادة فيها، يتواصل في مناطق كبيرة من البلاد. وتشمل النجاحات التي حققها الثوار إسقاط طائرة هليكوبتر فوق دمشق وتدمير المزيد في هجوم على قاعدة جوية بالقرب من حلب. وربما يبشر حادث إسقاط طائرة مقاتلة في الثلاثين من أغسطس الماضي مزيداً من الأمل بالنسبة للثوار.

ربما يتحول الصراع إلى شكل أكثر دموية من ذلك. فقد أسقطت طائرات هليكوبتر منشورات حول دمشق تحذر الثوّار لتسليم أسلحتهم أو مواجهة "الموت المحتوم". و عمد التلفزيون الموالي للحكومة، والذي كان مستهتراً في تغطيته للمزيد من اللقطات الصريحة في داريا على نحو غير عادي التي تظهر الجثث المتكومة و الممزقة، إلى بث رسائل شريرة. قال مراسل مخادع وهو يحث فتاة صغيرة، ترتجف و تبكي بجوار جثة والدتها: "هل تعرفين من فعل هذا بك؟". و في محاولة لإظهار أن هذا كان من عمل "إرهابيين"، فقد أثارت المشاهد بدلاً من ذلك مشاعر الخوف والاشمئزاز، حيث لا يساور معظم السوريين الشك حول هوية مرتكبي الجرائم.

توترات طائفية

إن ارتفاع حدة التوترات الطائفية هو سبب آخر للتشاؤم بشأن مستقبل سورياً. فالعداء بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية الأكثر ولاء للنظام عميق بالفعل. والخطوات التي اتخذها النظام، أخيراً، بتسليح "لجان شعبية" في المناطق التي يقطنها مسيحيون موالون للنظام، بالإضافة إلى مناطق الدروز، تنذر بتصعيد حدة الصراع. يقول بيتر هارلينغ من مجموعة الأزمات الدولية، وهي جماعة ضغط مقرها بروكسل: "دار الصراع حتى الآن بين الأغلبية من المقاتلين السنة و العلويين في قوات النظام الرسمية وغير الرسمية". ويضيف: "يمكن أن يكون تدخل الميليشيات المدنية من الأقليات الأخرى كارثة وخيمة".

فقد أسفر انفجار سيارة مفخخة في السابع و العشرين من أغسطس الماضي عن مقتل 12 شخصا من المشيعين في جنازة شخصين من مؤيدي النظام في ضاحية جرمانة في دمشق والتي يشكل الدروز والمسيحيون معظم سكانها. وفي إشارة إلى حادث مماثل، شهد انفجار قنبلة أكبر حجماً في جنازة للسنة في شهر مايو الماضي، تشير المعارضة إلى أن النظام نفسه ربما زرع أحدث قنبلة لإثارة الفتنة الطائفية.

هناك أيضاً كارثة إنــسانية إقليمية في طور الاختمار. فالأمم المتحدة تقدر عدد النازحين داخليا بحوالي 1.2 مليون شخص، وتقول إنها سجلت أكثر من 200 ألف لاجئ في الخارج. ويتحدث بعض موظفي الإغاثة عن 160 ألف لاجــئ سوري في الأردن وحدها، مع زيادة كبيرة في أعداد الأطفال اليتامى و ممن لا عائل لهم الذين يصلون إلى هناك. و تنتظر مئات العائلات على الجانب السوري من الحدود من أجل العبور، على الرغم من الظروف في المخيمات الصحراوية للاجئين في الأردن التي دفعت إلى أعمال الشغب المتكررة. وتخطــط تركيا لبناء المزيد من المـــخيمات، من خلال رفع قدرتها الاستيعابية من 80 ألفا إلى 120 ألف لاجئ.

 

استهداف جوي

 

تستهدف الغارات الجوية التي يشنها النظام السوري على نحو متزايد، الثوار في الأراضي التي يسيطرون عليها في المنطقة الواقعة بين حلب والحدود التركية التي أصبحت ملاذاً آمناً، حيث تستخدم من قبل كل من اللاجئين الفارين و إمداد الثوار الذين يمضون في الاتجاه الآخر. وأصبحت تعتبر أمرا روتينيا من ممارسات النظام المتكررة، وأدى القصف إلى إطلاق نداءات المعارضة للأصدقاء في الغرب ومنطقة الخليج لفرض منطقة حظر جوي وإرسال صواريخ مضادة للطائرات. فالمدافع يحملها الثوار على شاحنات صغيرة ضعيفة، ولا يمكنها التصدي لطائرات الأسد المقاتلة الروسية.