لا يدرك المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية ميت رومني أنه يجرح شعور كثير من الأميركيين ذوي الأصول اللاتينية عندما يتمنى بطريقة هزلية لو انه كان أميركيا من أصل مكسيكي، ونظرته إلى هؤلاء الناخبين تبدو مبسطة وبعيدة كل البعد عن التجربة اللاتينية، فهؤلاء لا يصوتون على أساس العرق، وإنما بحسب السياسات.
ومنذ أن انكشف الفيديو المسجل سراً لاجتماع فلوريدا الخاص بجمع الأموال، يعمل الأميركيون على دراسة ما تظهره تعليقات ميت رومني بشأن اعتماد نسبة "47%" من الأميركيين الذين لا يدفعون ضرائب دخل على الخدمات الاجتماعية، حول المرشح الرئاسي الجمهوري. وعدد كبير من اللاتينيين كان يناقش أيضا ملاحظات أخرى تم التقاطها على التسجيل نفسه.
مزاح في غير موضعه
وفي تلك الأمسية، قام الحاكم السابق لماساتشوستس بتذكير المانحين بأن أباه ولد لأميركيين مقيمين في مكسيكو. وأضاف: "لو كنت ولدت لوالدين مكسيكيين، لكانت لدي فرصة أفضل للفوز، وأنا أقول ذلك على سبيل المزاح، لكن سيكون مفيدا أن أكون لاتينيا".
ورومني لا يدرك أن التمني لو أنه أميركي من أصل مكسيكي بطريقة هزلية يعد أمراً مهيناً لكثير ممن هم من أصول لاتينية. وعلى الرغم من قوله إن حديثه يأتي على سبيل المزاح، إلا أن هذه النكتة الارتجالية ليست مضحكة، أخذا في الاعتبار كفاحه لجذب الناخبين اللاتينيين. وتبدو نظرته إلى الناخبين اللاتينيين مبسطة، وما يدعو للأسف أنه بعيد كل البعد عن التجربة اللاتينية.
وفكرة استغلال العرق أو الإثنية للفوز بالانتخابات، ولو حتى من باب الدعابة، تظهر ذوقا سيئا. فهل يكون أمرا ظريفا لو قال رومني إنه سيكون في وضع افضل ضد الرئيس الأميركي باراك أوباما، لو انه كان أميركيا من أصل إفريقي؟ بالطبع لا. وهذا المقياس لا ينبغي أن يكون مختلفا بالنسبة لمن هم من أصول لاتينية.
كانت لرومني "فرصة أفضل للفوز بالرهان" لو أنه كان يدير حملة أكثر شمولية. ولقد عمل على صرف كثير من الناخبين اللاتينيين المحتملين خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عنه، عندما دعمت مواقفه الهجرة، وتعهد باستخدام حق النقض ضد قانون "دريم"، كما أنه وصف قانون الهجرة غير الشرعية الصارم لولاية أريزونا بأنه يعد "نموذجا للأمة" ودافع عن فكرة "الترحيل الذاتي".
وعلى الرغم من ظهوره أمام مجموعات لاتينية عدة، أخيرا، وتعهده "بإصلاح قانون الهجرة والعمل على إنجاحه للشعب الأميركي"، إلا انه لم يقدم أية تفاصيل. ولا زال رومني يرفض القول ما إذا كان سيمضي في سياسة عمل الرئيس أوباما بوقف ترحيل بعض المهاجرين الشباب الذين أدخلوا إلى البلاد بشكل غير شرعي وهم أطفال، أم لا.
تصويت لاتيني
وعلى ما يبدو، يعتقد رومني أنه لو كان لاتينيا لساعده هذا الأمر في حملته. لكن لم يساعد حاكم نيو مكسيكو السابق بيل ريتشاردسون أنه أميركي من أصل مكسيكي، عندما ترشح للرئاسة في عام 2008. ولم يحقق نجاحاً مع الأميركيين من أصل لاتيني أو مع أي عدد هام من الناخبين، وانسحب من السباق بعد الانتخابات التمهيدية في نيو هامبشاير.
والحقيقة هي أن اللاتينيين لا يصوتون بناء على الإثنية، بل حسب السياسات. لننظر فقط إلى بريان ساندوفال وسوزانا مارتينيز الحاكمين الجمهوريين عن ولايتي نيفادا ونيو مكسيكو على التوالي. فعلى الرغم من انتخابهما في 2010 في ولايتين بحجم سكاني لاتيني كبير، إلا أنهما فازا من دون دعم أغلبية اللاتينيين. وفي الحالتين، فإن معظم الأميركيين من أصل لاتيني صوتوا لمرشحين ليسوا من أصول لاتينية، لأن مواقف هؤلاء كانت اكثر تماشيا مع مواقفهم.
واعتقاد رومني أنه إذا كان لاتينيا فإن ذلك يسهل الدرب أمامه إلى البيت الأبيض يبدو مخيبا للآمال، لأنه يظهر عدم إقراره بالحقائق الاجتماعية والاقتصادية. فتصوروا ما ستكون عليه حياته لو ولد لاتينياً.
بداية، من غير المرجح أن رومني كان سيصبح ثريا، ويتوجه إلى مدارس النخبة. والدراسات التي قام بها "مركز بيو" اللاتيني أظهر أن الأميركيين من أصول لاتينية يعيشون تحت خط الفقر أكثر من غيرهم من الأميركيين، ويتوجهون إلى مدارس حكومية أداؤها ضعيف.
ولو كان رومني لاتينيا، لكان قد شعر بالقلق من عمليات الترحيل. ودراسة لـ"مركز بيو" عام 2010 وجدت أن 52% من اللاتينيين يقولون إنهم يشعرون "بكثير" من القلق، أو أن "بعضهم" يقلقون من إمكانية ترحيل أحد أفراد العائلة أو صديق مقرب.
واحتمال أن يكون رومني عاطلاً عن العمل كان أكثر ترجيحا، لأن معدل البطالة في أوساط اللاتينيين يعد أعلى بنقطتين من المعدل الوطني. وهنا تكمن أكثر جوانب السخرية في مزاحه حول رغبته في أن يكون لاتينياً، فلو كان كذلك لوجد نفسه بين "47%" من الأميركيين الذين يسخر منهم لاعتمادهم على الخدمات الاجتماعية أو المساعدة الحكومية.
وفي الفيديو الذي تم تسريبه، يقر رومني بحاجة الحزب الجمهوري إلى كسب المزيد من الأميركيين من أصل لاتيني. ويقول: "إذا كان التكتل الانتخابي من اصل لاتيني اصبح ملتزما تجاه الديمقراطيين كما التكتل الانتخابي الأميركي من اصل إفريقي في الماضي، فإننا في ورطة كحزب، وأعتقد كأمة". ووجهة النظر تلك تفشل في رؤية أنه لا يوجد تكتل انتخابي واحد لمن هم من أصل لاتيني.
وصولية
إذا كان اللاتينيون حالياً يفضلون الرئيس أوباما بهامش كبير، ليس لأنهم يصوتون بشكل جماعي، بل لأن الحزب الجمهوري اليوم ليس جذابا بالنسبة لمعظمهم. ورومني رجل عرف نجاحاً كبيراً وتميزاً كبيرين. لكن التمني أن يكون لاتينياً للفوز بالرئاسة يتحدث عن وصولية بغيضة. ومن الصعب أن يفوز موقف كهذا بالإعجاب فكيف بالرئاسة. وسيحسن صنيعا بإظهار المزيد من الحساسية تجاه أبناء المجتمع اللاتيني. فهو يحتاج اليوم إليهم أكثر مما يحتاجون إليه، وهذه ليست مزحة.
