تعد هذه الأيام أوقاتاً استثنائية في تاريخ الحرية. ولقد رأينا في ظل الربيع العربي أكبر تحد للحكم الاستبدادي منذ انهيار الشيوعية السوفييتية. وفكرة أن الشعب العربي راض، بطريقة أو بأخرى، عن القهر فقدت مصداقيتها إلى الأبد.
ومع ذلك، فقد رأينا أيضاً حالات من عدم الاستقرار والغموض والانتقام على يد حكام وحشيين. وانهيار نظام قديم يمكنه أن يطلق ضغائن وصراعات على السلطة ليس النظام الجديد مستعداً للتعامل معها.
والبعض في واشنطن من كلا الحزبين ينظر إلى المخاطر الكامنة في التغير الديمقراطي، لاسيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويجدها شديدة الخطورة، ويقول إنه يجب على أميركا أن تكون قانعة بدعمها للقادة الفاسدين الذين تعرفهم، وذلك باسم الاستقرار.
سياسة تفتقر للواقعية
لكن في المدى الطويل، يعد هذا النهج في السياسة الخارجية مفتقراً للواقعية، فأميركا ليس بمقدورها الحفاظ على النظام القديم غير المستقر ضمناً إلى أجل غير مسمى، والحكومات القمعية لا ثقة لديها بإتاحة الخيار للناس وإشراكهم في السلطة، خانقة بذلك أفضل منابع الازدهار والنجاح الوطني.
وهذه الأزمة كامنة في ثنايا الطغيان الذي يخاف من السمات الإنسانية نفسها التي تجعل أمة من الأمم عظيمة ويحاربها: الإبداع والريادة والمسؤولية. والدكتاتوريون بإمكانهم الحفاظ على السلطة لفترة من الوقت من خلال تغذية الأحقاد تجاه الأعداء، الحقيقيين أو المفترضين، في الداخل أو الخارج. لكن في نهاية المطاف، يصبح فشلهم في المجتمعات ذات الندرة الاقتصادية والمقدرة المتوسطة واضحاً للعيان.
ولقد حمل المحتجون رايات مملكة ليبيا إلى جانب علم أميركي، خلال التظاهرات المناوئة للقذافي في بنغازي في مارس 2011. وأميركا لن يتسنى لها اختيار متى يفترض أن تبدأ ثورة الحرية أو تنتهي في الشرق الأوسط، أو أي مكان آخر، بل اختيار إلى جانب من تقف.
واليوم الذي يسقط فيه دكتاتور أو يتنازل عن الحكم لحركة ديمقراطية يعد يوماً عظيماً. وسنوات الانتقال التي ستلي ذلك يمكن أن تكون سنوات صعبة. وينسى الناس أن هذا الأمر انطبق على أوروبا الوسطى، حيث لم تبزغ المؤسسات والمواقف الديمقراطية بين عشية وضحاها. كان هناك فساد من وقت إلى آخر، وتراجع وحنين إلى الماضي الشيوعي. ولقد برهنت الإصلاحات الاقتصادية المهمة أحياناً على أنها مؤلمة، وتفتقر إلى الشعبية. ولإشعال ثورة من أجل الحرية يتطلب الأمر شجاعة وإقداماً، ويقتضي جسارة أيضاً ربط ثورة الحرية بالإصلاحات الهيكلية. وهذان النوعان من الشجاعة يستحقان الدعم والتأييد.
أسئلة وردود
وهذا هو التحدي اليوم في أجزاء من شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وفي أعقاب مشاعر النشوة والسعادة، يتوجب على الأمم الإجابة عن أسئلة على كثير من التعقيد: ماذا سيكون تأثير حكم الأكثرية في حقوق الناس والأقليات الدينية؟ كيف يمكن ضم الميليشيات إلى صفوف الجيش الوطني؟ وما الذي يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية؟
والمشكلات التي كانت محجوبة بالقوة، فيما مضى، يجب أن تحل الآن بالسياسة والاتفاق الجماعي في الرأي. لكن المؤسسات السياسية والتقاليد ضعيفة في معظم الأحيان.
ونحن نعرف المشكلات. لكن هناك منبع للأمل. فشعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط يمكنها الآن إدراك أن قادتها يمكن هزيمتهم. ومواطنو المنطقة طوروا أشكالاً من ممارسة المعارضة وأيضاً توقعات بشأن الأداء الاقتصادي.
وحكام المستقبل الذين يتجاهلون تلك التوقعات، ويحاولون العودة إلى القمع وإلقاء اللوم على عملية التحول، قد يجدون أنفسهم أمام عملية مساءلة خاصة بهم. ويجب أن يكون هدفنا كأميركيين مساعدة المصلحين في تحويل نهاية الطغيان إلى بنى مدنية قابلة للمساءلة لها صفة الديمومة. والديمقراطيات الناشئة تحتاج إلى دساتير قوية وأحزاب سياسية ملتزمة بالتعددية، والانتخابات الحرة، والمجتمعات الحرة تعتمد على حكم القانون وحقوق الملكية الفكرية، وتتطلب اقتصادات واعدة مشدودة إلى أسواق العالم المفتوحة.
مرونة وليس غموضاً
وهذا العمل سيتطلب صبراً وإبداعاً وقيادة أميركية نشطة. وسيشمل تعزيز قوة المجتمع المدني، مع التشديد على دور المرأة. وسوف يتطلب الدفاع الثابت عن الحريات الدينية. وهذا سيعني تشجيع التنمية والتعليم والصحة إلى جانب التجارة والاستثمار الأجنبي. ستكون هناك بالتأكيد نكسات. لكن إذا لم تقدم أميركا على دعم تقدم المؤسسات والقيم الديمقراطية، فمن الذي سيفعل ذلك؟ وفي إطار تعزيز الحرية، يجب أن تكون وسائلنا مرنة.
فالتغيير يأتي بوتائر مختلفة في مواقع مختلفة. لكن المرونة لا تعني الغموض والإبهام، والمبادئ نفسها يجب أن تطبق على كل الدول. وما إن تتبنى البلاد الحرية، حتى تجد التقدم الاقتصادي والاجتماعي. ولا تحقق الأمة عظمتها إلا عندما تعامل الحكومة شعبها بكرامة، وفي المقابل، عندما تنتهك الحكومة حقوق مواطنيها، فإنها تلحق العار بالأمة بأسرها.
الإيمان بالمثل
لا يوجد شيء سهل في ما يتعلق بتحقيق الحرية. في أميركا، ندرك إلى حد ما صعوبة حماية الأقليات وبناء جيش وطني والدفاع عن العلاقات بين الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية، لأننا واجهنا كل تلك التحديات يوم استقلالنا، وكادت أن تمزقنا إرباً. ولقد استغرق الأمر عقوداً من الكفاح في سبيل الارتقاء إلى مستوى المثل التي وضعناها لأنفسنا، لكننا لم نتوقف عن الإيمان بقوة تلك المثل، ولا يجب أن نتوقف اليوم عن الإيمان بها.
