تجتاح تطورات مقلقة الشرق الأوسط الكبير. في سوريا، ذبح عشرات الألوف من الأبرياء. وفي مصر، تولت جماعة الإخوان المسلمين السلطة، وقد يختل توازن اتفاقية السلام مع إسرائيل في أي لحظة. وفي ليبيا، قتل السفير الأميركي في هجوم للمتشددين، كما اجتاحت السفارات الأميركية تظاهرات عنيفة على امتداد المنطقة.

هذه التطورات ليست مجرد "مطبات على الطريق"، كما يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما، بل هي قضايا أساسية تضع الأمن الأميركي في مهب الريح. لكن وسط هذا الاضطراب، تبدو أميركا تحت رحمة الأحداث بدلا من أن تكون صانعة لها. ونحن لا نحرك هذه الأحداث بالاتجاه الذي يؤدي إلى حماية شعبنا وحلفائنا.

وهذا الأمر خطير. إذا ما تدهور الوضع في الشرق الأوسط إلى حالة من الفوضى، أو إذا ما تعرض أمن إسرائيل للخطر، فإن أميركا يمكن أن تنجر إلى اضطراب هائل.

استراتيجية جديدة

وما زال لدينا الوقت للتعامل مع هذه التهديدات، لكن الأمر سيتطلب استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط.

والخطوة الأولى تكمن في فهم كيف وصلنا إلى هذا الوضع. منذ الحرب العالمية الثانية، كانت أميركا زعيمة العالم الحر. ونحن فريدون في اكتسابنا هذا الدور، ليس من خلال الغزو، وإنما من خلال تعزيز حقوق الإنسان والأسواق الحرة وحكم القانون. ونحن نتحالف مع البلدان ذات التفكير المماثل لنا، وننشر الازدهار من خلال التجارة ونحافظ على السلام من خلال الحفاظ على موقعنا العسكري في المقدمة.

لكن في السنوات الأخيرة، سمح الرئيس الأميركي باراك أوباما لقيادتنا بالضمور. واقتصادنا عالق في "انتعاش" يستحق بالكاد هذه التسمية. والدين الأميركي الوطني ارتفع إلى مستويات قياسية. وجيشنا، الذي جرى اختباره على مدى عقود من الحروب، يواجه تخفيضات مدمرة نتيجة للتلاعب في الميزانية التي يمارسها البيت الأبيض. وأخيرا، أسيء تطبيق قيمنا، كما أسيء فهمها، من قبل رئيس يعتقد أن الضعف يكسبه استحسانا لدى خصومنا.

نقص في الإدراك

ومن خلال الفشل في الحفاظ على عناصر نفوذنا والابتعاد عن حلفائنا، زاد الرئيس الأميركي باراك أوباما من احتمال الصراع وعدم الاستقرار. وهو لا يدرك أن سياسة أميركية ينقصها الحسم يمكنها أن تثير العدوانية وتشجع على الفوضى.

والشرق الأوسط مثال على ذلك. ولقد وفر الربيع العربي فرصة للمساعدة في انتقال ملايين الناس من القمع إلى الحرية، لكنه طرح أيضا مخاطر جسيمة. وكنا نحتاج إلى استراتيجية للنجاح، لكن الرئيس لم يقدم أي استراتيجية في هذا الإطار. والآن هو يسعى للتقليل من أهمية الكوارث، التي وقعت خلال الأسابيع الأخيرة الماضية.

وعدم الإدراك هذا يصيب سياسة الرئيس الأميركي نحو إسرائيل أيضا. بدأ الرئيس ولايته بسياسة واضحة قوامها إيجاد "مسافة واضحة" بين بلدينا. وأخيرا، خفض موقع إسرائيل من كونها "أقرب حليف" في الشرق الأوسط إلى مجرد "أحد أقرب حلفائنا". وهذه رسالة دبلوماسية تلقتها إسرائيل وخصومها بكل وضوح. ولقد صرف النظر عن مخاوف إسرائيل في المنطقة "كصوت مزعج" من الأفضل "كتمه". وفي الوقت الذي تحتاج إسرائيل أميركا إلى الوقوف معها، رفض مقابلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو.

وفي هذه الفترة من الغموض، تحتاج أميركا إلى تطبيق استراتيجية متماسكة لدعم شركائها في الشرق الأوسط، أي الحكومات والأفراد الذين يشاركونها قيمها.

وهذا يعني عدم توسيع المسافات ونطاق الخلافات بين أميركا وإسرائيل. ويعني أيضا استخدام الطيف الكامل من قوتنا الناعمة في تشجيع الحرية والفرص لمن لم يعرف لفترة طويلة من الزمن إلا الفساد والقمع. والبديلان المفضلان للتشدد والتطرف هما كرامة العمل بالنسبة لهؤلاء، والقدرة على تسيير حياتهم. لكن سياسة أميركا في الشرق الأوسط هذه سيجري تقويضها، ما لم نستعد الأوتار الثلاثة لنفوذنا: قوتنا الاقتصادية، وقوتنا العسكرية ،وقوة قيمنا. وهذا الأمر سيتطلب مجموعة من السياسات مختلفة تماما عن تلك التي يسعى وراءها أوباما.

 

 

 

تقويض السياسة الأميركية

 

 

 

سيجري تقويض سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط ما لم تستعد الأوتار الثلاثة لنفوذها: قوتها الاقتصادية، وقوتها العسكرية وقوة قيمها. وهذا سيتطلب مجموعة من السياسات مختلفة تماما عن تلك التي يسعى وراءها الرئيس الأميركي باراك أوباما.

لقد أصبح القرن العشرون قرنا أميركيا لأننا صمدنا دفاعا عن الحرية. وقمنا بالتضحيات المؤلمة الضرورية لهزم الأنظمة الشمولية بمجمل مظاهرها. وللدفاع عن أنفسنا وحلفائنا، دفعنا الثمن بالمال والجنود.

وتحدياتنا هي مختلفة الآن، لكن إذا ما اردنا أن يكون القرن الواحد والعشرون قرنا أميركيا آخر، فإننا نحتاج إلى قادة يدركون أن الحفاظ على السلام يتطلب قوة أميركية بكل أبعادها.