يتخلى الغرب الآن عن المجلس الوطني السوري، في الوقت الذي يفترض به المساعدة في إصلاحه وإيجاد خلف حقيقي للرئيس السوري بشار الأسد. وكان المجلس الوطني السوري المعارض قد تعرض لهجوم من داخل صفوفه وخارجها، في الوقت الذي يئست الحكومات الغربية من قدرتها على توحيد المعارضة، واستقال بعض أعضاء المجلس البارزين.

ولقد بدأت الحكومات الغربية إلى جانب بعض دول المنطقة في بناء قنوات اتصال مع مجموعات وناشطين من المعارضة يتمتعون بقاعدة شعبية، من خلال تدريبهم على إدارة بعض المناطق المحررة وإعدادهم لمرحلة ما بعد الأسد في سوريا.

وقال دبلوماسي غربي إن تلك البلدان تبني اتصالات مع تلك المجموعات لمنع انتشار الميليشيات في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وأضاف إنه على الرغم من أن المجلس الوطني السوري يتلقى موارد إغاثة كافية، إلا أن الأموال تنفق بشكل سيئ، وإن المجلس فشل في إصلاح نفسه، على الرغم من المحاولات المتكررة للقيام بذلك.

التوازن المفقود

وقال زيور العمر، الشخصية الكردية والعضو السابق في المجلس الوطني السوري: "عندما تم تشكيل المجلس، كان هناك نوع من التوازن بين مكوناته: علمانيون وليبراليون ووطنيون وإسلاميون وغيرهم من المجموعات الدينية. وعدم التوازن حصل في مرحلة لاحقة ،عندما تمكنت القوى الإسلامية من السيطرة على مسار صنع القرار داخل المجلس، وهذا التطور كان يراقب بعدم ارتياح من قبل المجتمع الدولي". ويشعر أعضاء من المجلس الوطني السوري بمحاولات تهميشه، ولقد اتخذوا خطوات لتأكيد وجوده على الساحة. فعمل المجلس على بناء علاقات مع الجيش السوري الحر الأكثر شعبية، وهناك خطة لتغيير اسم الجيش السوري الحر إلى الجيش الوطني السوري، في محاولة واضحة للحفاظ على المجلس الوطني السوري باعتباره الاسم الرائد.

وعلى الرغم من فشل المجلس الحالي، إلا أن تهميشه يعد خطأ. وبدلا من التخلي عنه، فإن الغرب وحلفاءه في المنطقة يجب أن يلقوا بثقلهم وراء إصلاحه، ذلك أن الشرعية السياسية ستكون عاملا حاسما في الحفاظ على النظام بعد سقوط نظام الأسد.

واستنادا إلى حسين جامو، الصحافي السوري الكردي، بدأ المقاتلون في التخلي عن المجلس بحلول نهاية العام. والانتقاد له من قبل الناشطين والمقاتلين على الأرض تصاعد، عندما فشل المجلس في توفير أعمال إغاثة بعد تصعيد النظام أعمال العنف، محولا مدنا عدة إلى ركام. وعضو المجلس رضوان زيادة القى باللوم على الدول المانحة قائلا إن الدفعة الأولى من الأموال وصلت إلى المجلس في شهر فبراير.

واستمرار الخلافات داخل المعارضة وصعود المتطرفين يدفع بمزيد من الناس نحو معسكر الأسد. وكذلك هناك تأثير مباشر لفشل المجلس في تحقيق وحدة المقاتلين المناوئين للنظام وعملياتهم. والتوزيع الانتقائي للذخائر، بحسب جامو، هو سبب رئيسي للخلافات بين كتائب الجيش السوري الحر. ويتعين على الغرب ربط الدعم والأموال للمجلس بالإصلاحات وشموليتها. وبعض المجموعات والشخصيات داخل المجلس كانت قد بنت قنوات من الدعم المالي داخل المنطقة، مما يفرض على الغرب العمل مع حلفائه الإقليميين.

تأثيرات سلبية

وتدفق الأموال غير المشروط، إلى جانب عوامل أخرى، يعيق التقدم. ويشعر أعضاء مؤثرون بأنهم لا يحتاجون للتنازل عن احتكار المجلس. واستنادا إلى أحد أعضاء المجلس الوطني السوري، قال قائد الإخوان المسلمين السوري محمد رياض الشقفة: "الغرب ليس لديه خيار إلا التعامل معنا، أي المجلس".

وهناك موقف غير سوي بين أعضاء المجلس الوطني السوري، مفاده أن قضية الوحدة أثارها المجتمع الدولي لتبرير عدم التحرك. وقد دعا عضو المجلس، غسان المفلح، مسألة الوحدة ب "الاختراع" وقال إن "شخصا يتمتع بضمير" لا يجب أن يتحدث عن تطمين الأقليات عندما يجري اضطهاد الأغلبية، ومثل هذا التصريح هو أحد الأمثلة لنفور كثير من السوريين من المجلس.

وتلام دول مختلفة على الوضع الحالي للمجلس، وذلك بسبب التدخل المكثف من البداية، لا سيما تركيا، والدعم القليل الذي منح للمجلس عندما كان اكثر تمثيلا، ولأن بعض هذه الدول تحالف مع مجموعات محددة أو أشخاص داخل المعارضة. وتلك العوامل أدت إلى خلافات وارتباك ورسائل متناقضة.

ومع ذلك، فقد برهن المجلس على انه لن يصلح نفسه ذاتياً. والمجتمع الدولي يجب أن يتخذ خطوات جدية للمساعدة في إصلاح المجلس أو لتشكيل مجلس جديد.

الشرعية السياسية

مخاطر التخلي عن المجلس الوطني السوري كثيرة، ذلك أن الشرعية السياسية ستكون عاملا حاسما في الحيلولة دون الفوضى بعد سقوط النظام. ومن دون كيان سياسي شرعي، هناك احتمال كبير أن تنزلق سوريا إلى الفوضى. وتأسيس الشرعية لا يجب تأجيله إلى المرحلة الانتقالية، كما يقترح البعض، لأنه يستغرق وقتا، ويجب البرهنة عليه من خلال مساهمة ملموسة في إسقاط النظام.

ونتيجة لنقص الشرعية وبسبب أداء المجلس الوطني الضعيف، فإن المقاتلين المناوئين للنظام يخططون لمستقبل البلاد من دون المجلس. ويعتقد الثوار أن المجلس ينتظر مكتوف اليد إلى أن تسلم له مفاتيح البلاد من قبل الجيش السوري الحر. فكيف يمكن لكيان سياسي، يزعم انه يمثل الشعب في صراع معقد ضد نظام وحشي، أن يكون بعض أعضائه مقيمين في أجزاء مختلفة من العالم دون تكريس أنفسهم للقضية السورية؟