يعد الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي الذي أسفر عن مصرع السفير الأميركي كريس ستيفنز وثلاثة من مساعديه، والهجمات التي أعقبت ذلك على المقار الدبلوماسية الغربية في مصر واليمن وتونس وغيرها من الدول العربية- يعد دليلا على ذبول الربيع العربي، وهو الذبول الذي يتحمل الغرب مسؤولية يعتد بها عنه، ويقع اللوم في هذا الصدد على نفاد صبر الغرب واعتقاده أن الديمقراطية يمكن أن تفرض على عجل من الخارج، وإصراره على أن المقاومة للديمقراطية لا بد أنها نتيجة لتحرك مجموعة ضالة من الناشطين المتطرفين والإرهابيين الموتورين.
إقرار كلينتون
وقد أقرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي كانت قد قالت محقة لدى النهاية العنيفة التي لقيها الرئيسي الليبي السابق معمر القذافي: "الآن يجيء الجزء الصعب"- أقرت بعد عملية الاغتيال في بنغازي بأنها تشعر بالحيرة، وتساءلت: "كيف يمكن أن يحدث هذا في بلد دعمنا ثورته وساعد (ناتو) في الإطاحة بطاغيته؟".
وفي حقيقة الأمر، فإن هذا المصرع المأساوي لدبلوماسي كان صديقاً للثورة الليبية لم يكن شيئا محيرا فحسب، في مدينة ساعد الأميركيون على إنقاذها من الدمار حسب تعبير كلينتون، وإنما هو دليل على فوضى أصابت ليبيا منذ الإطاحة بنظام القذافي الذي رحب به الجميع. وهو كذلك عرض من أعراض مدى وعورة الطريق من ثورة أطاحت بعنق طاغية إلى ديمقراطية مستمرة يفرض فيها حكم القانون بصورة منهجية.
عجز ليبي
وفي الأشهر الأخيرة برهن المجلس الوطني الانتقالي والبرلمان الوطني المنتخب ورئيس الوزراء الجديد في ليبيا، على الرغم من كل النوايا الحسنة التي تحظى بالإعجاب، على أنهم عاجزون عن فرض القانون والنظام في مواجهة العشرات من الميلشيات القبلية التي تحكم ليبيا بالفعل. وفيما يلي حقائق أساسية محدودة تثير الانزعاج تبرز من قلب الفوضى التي برزت حديثا:
الدرس الأكثر أهمية
هذه إذا ليست قصة أحداث غريبة بلغت ذروتها بقتل السفير الأميركي، وإنما هي قصة فوضى متواصلة لم تفلح الحكومة الليبية في معالجتها.
ربما كان الدرس الأكثر أهمية الذي يتعين استيعابه من تاريخ الثورات هو أن الإطاحة بالطغيان لا يؤدي في حد ذاته إلى إقرار الديمقراطية، وإنما يسهم في الغالب عن الفوضى. ومن الفوضى والاضطراب ينبع طغيان متجدد. فالثورة الفرنسية أفضت إلى نابليون وإصلاح الملكية، والثورة الروسية انتهت بالقضاء على خصومها على يد البلشفية.
وهل يعتقد أحد أنه إذا سقط الرئيس السوري بشار الأسد فإن النتيجة ستكون الديمقراطية، إذا أخذنا في الاعتبار تركيبة الشخصيات التي تقاتله حالياً؟
هذا لا يعني معارضة الثورات التي هي على أية حال نتاجات لقوى تاريخية لا يمكن إيقافها، كما أنه لا يعني انتقاد الثوريين المثاليين الذين أطاحوا بالطغيان الذي استمر 42 عاما في ليبيا، أو الثوار الذين أطاحوا بالحكم العسكري في القاهرة، ولكنه يعني التساؤل حول ما إذا كان بمقدورنا أن نتوقع من الحكومات الغربية في لندن أو باريس أو روما أو واشنطن تقديرا أكبر للمخاطر المتضمنة في دعم الثورات بلا قيد أو شرط. والعجز عن رؤية التعقيدات والقوى المتناقضة التي تطلقها الثورة دائما. إنه يعني أن نطلب منهم التوقف عن التظاهر لأن كل عنف من ميليشيا أو تجمع قبلي هو ظاهرة غريبة. وأن ليبيا ومصر لا يوجد بهما إلا ديمقراطيون طامحون ومستخدمو كمبيوتر يعشقون الحرية.
تميل واشنطن وحلفاؤها إلى ركوب أرجوحة وتؤيد بصورة عمياء الأنظمة الدكتاتورية التي يميلون إلى التقليل من شأن عدوانيتها، ثم يدعمون بصورة عمياء أيضا الثورات التي يسيؤون الحكم على نتائجها، والآن تخطط الولايات المتحدة لإرسال طائرات موجهة عن بعد وعناصر مارينز وسفن حربية لمحاولة معالجة الفوضى التي ساعدت على إحداثها، وكان ينبغي على الأقل أن تتوقعها. وقد انكسر الآن الوضع المحرم المتمثل في إرسال قوات برية أميركية إلى ليبيا.
استيعاب الثورات
إذا فشلنا في أن نستوعب بعمق أكبر تعقيدات الثورات الديمقراطية، وإذا لم ننظر بأمان أكبر إلى الحقائق الصارمة للثقافات التي يتطور فيها الربيع العربي، وإذا وصلنا الاعتقاد بأن بمقدورنا أن نجلب الديمقراطية والحرية إلى طرابلس والقاهرة ودمشق بين عشية وضحاها، بدلا من أن نتيح لهذه العواصم تحقيق الديمقراطية والحرية اعتمادا على نفسها، وهي عملية طويلة وبطيئة ومؤلمة تقاس بالعقود وليبس بالشهور، فإن القوات والطائرات الموجهة عن بعد ستكون لها بلا شك عواقبها غير المنظورة، التي ستكون في الشهور المقبلة محيرة لنا جميعا من جديد.
