أظهرت استطلاعات الرأي أخيراً، أن انتخابات الرئاسة الأميركية تعكس نتائج متقاربة للغاية، حيث كان التصويت على امتداد الولايات الاميركية أشبه بقتال حامي الوطيس، مع تقدم الرئيس الأميركي باراك أوباما بفارق صغير في كثير من الولايات المتأرجحة الحاسمة.
ثم جاء الزلزال، حيث صدر شريط فيديو غريب ومحرج يظهر خلاله ميت رومني وهو يقلل من شأن نصف أبناء البلاد (47%، على وجه الدقة) باعتبارهم مدمنين لا يستحقون اهتمامه.
يا لها من زلزال!
وفقاً لموضوع تمت كتابته وتدعيمه من قبل وسائل إعلام تتحدث إلى نفسها، فقد كان هذا هو حد نهائي لحملة الجمهوريين، حيث انتهى كل شيء وربما كانت كالرجل الذي أغلق محله وعاد إلى المنزل.
فما الذي تقوله استطلاعات الرأي الآن بعد هذا الحدث المدوي؟ إنها تقول بالضبط ما كانت تقوله قبل أسبوع، أخيراً. إنه ليس التصويت القومي وحده الذي لا يزال منقسماً مناصفة إلى حد كبير، ولكن عندما استطلع معهد "غالوب" الناخبين تحديدا عن تعليقات الـ "47%" لرومني، أشار 36% منهم إلى أنها سوف تجعلهم أقل احتمالاً للتصويت لصالحه، فيما قال 20% منهم إنها سوف تجعلهم أكثر احتمالاً للتصويت لصالحه، وقال 43% منهم إن التعليقات لا تشكل لهم أي فارق على الإطلاق. وهذا يجعل ما مجموعه 63% من الأشخاص الذين تعزز تصريحات رومني دعمهم أو أنها ليس لها أي تأثير. فيا له من زلزال!
خطاب مقصود
لا شيء من هذا يعني أن خطاب رومني الذي سُجل سراً للمانحين المحتملين ليس فجاً وغبياً و يتسم بطابع الهواة بشكل سياسي. وكما أشار العديد من المعلقين الجمهوريين الغاضبين، فربما حاول إقناع رجال المال بنهجه غير العاطفي القاسي في شن الحملة الانتخابية، لكنه ينبغي أن يعلم بأنه لا يوجد شيء من قبيل "الاجتماع الخاص" عندما يتم الترشح للرئاسة.
وما كان لافتاً للانتباه بشأن هذا الحادث لم يكن مرشحاً يقوم بشيء أحمق، وهو أمر يكاد لم يسبق له مثيل، ولكن كان أسطورة تمجيد الذات التي سرعان ما أوجدتها وسائل الإعلام الرئيسية على خلفية ذلك. وكانت حالة الوهم الجماعي شديدة الاجماع بحيث لا يمكن اختراقها لدرجة أنه عندما تكون الأدلة التجريبية لصناديق الاقتراع غير المتغيرة قد بدأت تظهر يتم تجاهلها إلى حد كبير، كونها بعيدة للغاية عن الإطار المقبول للإشارة بحيث لا يمكن استيعابها.
انتقلت شبكات التلفزة الوطنية والصحف الداعمة لأوباما لتوها إلى قدر من "زلة رومني" الجديدة التي يمكن من خلالها جلد نفسها في نوبة من جنون الحرص على الصواب، مع الاستمرار في تجاهل انهيار سياسة أوباما الخارجية والتصريحات المتناقضة الصادرة عن البيت الأبيض بشأن الهجوم على القنصلية الأميركية في ليبيا (الذي تحول من كونه احتجاجا عفويا بسبب فيلم مسيء إلى كونه غارة إرهابية مخططاً لها سلفاً).
إذا كنتم تعتقدون أن شبكة "بي بي سي" بعيدة كل البعد عن وجهات نظر الشعب البريطاني العادي، صدقوني فإن شبكة الأخبار الأميركية تعيش في كوكب آخر بعيداً عن معظم الطبقة المتوسطة في أميركا. الفشل في تقدير هذه الحقيقة يرجع إلى حد كبير إلى سفاهة التعليق البريطاني بشأن السياسة الأميركية.
(يشعر الناخبون الأميركيون بالامتنان لتلقي هذا القدر من النصيحة و التفسير الواثقين من الأجانب الذين لا يعرفون شيئا على الإطلاق عن جزء كبير من الولايات المتحدة يقع بين نيويورك وكاليفورنيا. ربما تذكرون كيف تبنوا بحماس المطلب العاجل لصحيفة "غارديان" بأن ينتخبوا جون كيري إلى البيت الأبيض).
لا تفهموني خطأ. رومني ليس هو المرشح المفضل لدي. وكما كتبت في بداية هذا العام، كانت بطاقة الانتخاب للمرشح الجمهوري كريس كريستي، حاكم ولاية نيو جيرسي الذي يحظى بالقوة و الصراحة لمنصب الرئيس، مع بول رايان كمرشح لمنصب نائب الرئيس. لذلك فقد حصلت على نصف ما أردت، ولكن كان النصف الخاطئ. ومع ذلك، فقد غير وجود رايان اللعبة.
تجسّد هذه الحملة الرئاسية الآن أهم حجة سياسية في عصرنا بشأن مشكلة اقتصاد السوق الحرة في المجتمعات التي تحاول الحفاظ على برامج الاستحقاق الاجتماعي الديمقراطي. وهذا يقودنا إلى جوهر زلة رومني الفائقة و فارق هام بين ما يقوله اليمين في الولايات المتحدة بشأن الاعتماد على الرعاية الاجتماعية، وما يقال في بريطانيا.
جدل يزداد احتداماً
كانت قوة الحجة البائسة لرومني بشأن "47%" هي أن نسبة كبيرة للغاية من البلاد كان تتلقى الفوائد من الحكومة دون دفع أي ضريبة دخل فيدرالية. كان لهؤلاء الناس بالتالي مصلحة في الإنفاق الحكومي من دون الاضطرار إلى المساهمة في تكلفة الإنفاق عن طريق فرض الضرائب.
يبدو أن ما كان يعنيه هو أن الإعفاء من دفع الضرائب يجعل المرء عاجزاً. فقد أوضح ذلك من خلال الإشارة إلى أنه يريد إلحاق الناس بالوظائف حتى يمكن أن يصبحوا أعضاء مسؤولين بشكل كامل (عن سداد الضرائب) للمجتمع.
هذا يبدو، في مواجه ذلك، متناقضاً تماماً مع ما يجري في بريطانيا من قبل الإصلاحيين المدافعين عن الرفاهية من اليمين، الذين يصرون على أن الأقل أجراً يتعين أن يعفوا من الضرائب لجعل العمل أكثر جاذبية من الحياة التي تعتمد على الحصول على الفوائد.
لكن الفارق بين هذه المواقف المتناقضة، على ما يبدو، يمكن تفسيره. فلو أن المطالبين بالرفاهية الذين يضعهم رومني في الاعتبار ينتقلون إلى وظائف منخفضة الأجر، لكانوا دفعوا ضريبة دخل فيدرالية بنسبة 10% على الـ 8700 دولار الأولى من الدخل الخاضع للضريبة (بعد الخصم الشخصي البالغ قيمته 5950 دولاراً)، أو إذا كانوا متزوجين، على الـ 17،400 دولار (بخصم مشترك قيمته 11900 دولار).
تناقض صارخ
يبدو أن ما كان يعنيه رومني من تصريحاته التي سجلت سرا ضد الناخبين هو أن الإعفاء من دفع الضرائب يجعل المرء عاجزاً. فقد أوضح ذلك من خلال الإشارة إلى أنه يريد إلحاق الناس بالوظائف حتى يمكن أن يصبحوا أعضاء مسؤولين بشكل كامل (عن سداد الضرائب) للمجتمع.
هذا يبدو، في مواجهة ذلك، متناقضاً تماماً مع ما يجري في بريطانيا من قبل الإصلاحيين المدافعين عن الرفاهية من اليمين، الذين يصرون على أن الأقل أجراً يتعين أن يعفوا من الضرائب لجعل العمل أكثر جاذبية من الحياة التي تعتمد على الحصول على الفوائد. لكن الفارق بين هذه المواقف المتناقضة، على ما يبدو، يمكن تفسيره.
