لم يكن القتل المأساوي للسفير الأميركي في بنغازي مجرد انحراف مربك في مدينة "ساعدنا في إنقاذها من الدمار" بحسب كلمات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، بل هو دليل على الفوضى المستمرة في ليبيا منذ الإطاحة المرحب بها بنظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. وهو دليل أيضاً على مدى خطورة الدرب الذي يمضي من ثورة تطيح بدكتاتورها إلى ديمقراطية مستقرة، حيث حكم القانون يجري فرضه بشكل منهجي. في الأشهر الأخيرة، برهن المجلس الوطني الانتقالي والمؤتمر الوطني المنتخب ورئيس الوزراء الليبي الجديد على أنهم، مع كل نواياهم الحسنة، غير قادرين على فرض القانون والنظام ضد أعداد كبيرة من الميليشيات القبلية التي تحكم ليبيا حقيقة. وسط الفوضى التي تعم البلاد. وربما يعد الدرس الأهم، الذي يمكن استنتاجه من تاريخ الثورات، هو أن الإطاحة بالطغاة لا يؤدي بحد ذاته إلى إقامة الديمقراطية، لكنه يؤدي إلى الفوضى في أغلب الأحيان، ومن الفوضى وغياب النظام يبزغ الطغيان مجدداً. وهذا ليس المقصود منه الوقوف ضد الثورات، بل طرح سؤال حول ما إذا كان يمكن أن نتوقع من الحكومات الغربية تقديراً أكبر لمخاطر دعم الثورات بلا شروط، دون أن تكون مدركة تماماً للقوى المتناقضة والمعقدة التي تطلقها تلك الثورات.
وواشنطن وحلفاؤها يميلون إلى ركوب الموجة، فيدعمون دكتاتوريين، ويتغاضون عن نهبهم للبلاد، ومن ثم يدعمون ثورات بشكل مطلق يسيئون الحكم على نتائجها. والآن أميركا تخطط لإرسال طائرات موجهة عن بعد وقوات من مشاة البحرية الأميركية، وسفن حربية في محاولة لمعالجة الفوضى التي ساعدت في استعجالها عن غير قصد، والتي كان يفترض بها توقعها على أقل تقدير.
