تراجعت موجة العنف التي اجتاحت العالم الإسلامي، في أعقاب صدور الفيلم المسيء للإسلام، لكن يوجد وراء هذه الحادثة الحزينة الكثير مما لم تره العين، حتى الآن.
وينفي تاريخ الفيلم مصدره الغامض، ويشير إلى محاولة متعمدة لإشعال نيران الغضب. والأسئلة أيضاً تدور حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر على القنصلية الأميركية في بنغازي بليبيا، حيث قتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة من الموظفين الأميركيين. ولا يمكن أن نجد إجابات مرضية عن كل هذه الأسئلة.
فالاحتجاجات التي بدأت في ذاك اليوم كان مشعلها فيلم «براءة المسلمين»، الذي أنتج في الولايات المتحدة في السنة الماضية. ومقاطع منه تم تحميلها على الإنترنت، خلال فترة الصيف، لكن المتاعب بدأت عندما صدرت النسخة العربية من تلك المقاطع أخيراً. ومقاطع الفيلم تلك، كما الفيلم برمته، مسيئة بحق النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
تاريخ من الغموض
وأقل ما يقال عن الفيلم هو أن تاريخه غامض. والممثلون وطاقم العمل يقولون إنهم صوروا فيلماً مختلفاً كلياً بعنوان مختلف وقصة أخرى، وأحد الخبراء توصل إلى أن كل الإشارات إلى الرسول تم نسخها في مرحلة تلي عملية الإنتاج.
وعندما اندلعت الاحتجاجات، أفيد بأن منتج الفيلم هو مطور عقارات إسرائيلي، له من العمر 52 عاماً، ويعيش في كاليفورنيا. ولقد أظهرت التحقيقات في ما بعد أنه لم يكن لا يهودياً ولا إسرائيلياً، وإنما هو مسيحي قبطي مهاجر من مصر يعيش في كاليفورنيا، اسمه نقولا باسيلي نقولا، كان قد قضى محكومية في السجن لتصنيعه حبوب «ميثامفيتامين» ولاحقاً بسبب احتيال مصرفي.
ولقد التزم نقولا الصمت، لذا فإنه يصعب معرفة السبب وراء إنتاجه لهذا الفيلم. ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين يروجون لهذا الفيلم يملكون تاريخاً من التحريض المتعمد ضد المسلمين والحط من عقيدتهم. ويبدو منصفاً الافتراض، بالتالي، أن مجمل مشروعه كان المقصود منه تأجيج المشاعر في العالم الإسلامي.
ولقد نجح الأمر. كانت هناك احتجاجات من أستراليا إلى تونس، حيث أفيد بوقوع إصابات في كل من أفغانستان ومصر ولبنان وليبيا وتونس والسودان واليمن. ولقد تأثر 19 بلداً بالإجمالي. والانتحاري في كابول زاد من أعداد الوفيات في العالم إلى أكثر من 30 شخصاً. وجماعة مسلحة في أفغانستان أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم، وقالت إنها كانت تعتزم الثأر للإهانة التي سببها الفيلم.
وإلى جانب أعداد الوفيات، جرح عدة مئات من الأشخاص في احتجاجات دموية على امتداد العالم الإسلامي.
ومشاهد التظاهرات كانت مخيفة في بنغازي بليبيا أكثر من أي مكان آخر، حيث جموع حاشدة اقتحمت القنصلية الأميركية في تلك المدينة. وكانت القنصلية نسبياً غير محمية، وتنقصها بعض الإجراءات الأمنية المعززة الموجودة في كثير من المرافق الدبلوماسية الأخرى، والأمن خارجها كانت توفره الشرطة المحلية بدلاً من قوات مشاة البحرية الأميركية، كما هي الحال في بعض الأحيان. والسفير ستيفنز نفسه كان يتجول بإجراءات أمنية مخففة.
وعلى إثر اندلاع التظاهرات في القاهرة التي أشعلتها الأخبار عن الفيديو المعادي للإسلام، اجتمعت الحشود في بنغازي. وتصاعد العنف بسرعة ليشمل الأسلحة الثقيلة والقنابل الصاروخية. وقامت مجموعة باقتحام الأبواب واخترقت مجمع القنصلية وأشعلت النار في المبنى.
وحاول الدبلوماسيون الأميركيون الهرب، لكن السفير إلى جانب أحد طواقم العمل في القنصلية، المدعو شين سميث، ضاعا في الفوضى. ولقد عثر على ستيفنز في ما بعد حياً من قبل الليبيين في القنصلية، واصطحب إلى المستشفى، حيث توفي نتيجة لتنشقه الدخان. وقتل سميث واثنان من الجنود الأميركيين أيضاً.
ولقد قيل إن الهجوم على المجمع كان مدبراً عن سابق إصرار وتصميم. فالأحداث أولاً وقعت في الذكرى الحادية عشرة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة.
وقال أحد الشهود العيان: إن الهجمات لم تبدأ سلمية ثم تصاعدت حدتها، وإنما بدأت باعتداء شامل على المجمع. كما أن استخدام الأسلحة الثقيلة يشير أيضاً إلى عمل تم عن سبق إصرار وتعمد.
ولقد قالت سوزان رايس مندوبة أميركا لدى الأمم المتحدة: إن الهجمات لم يخطط لها مسبقاً، فيما يصر المسؤولون الحكوميين الليبيين على عكس ذلك.
أسئلة مؤرقة
وهناك الآن تكهنات بأن تنظيم القاعدة كان وراء الهجوم. ولقد تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما باقتصاص العدالة من الذين قتلوا طواقم الموظفين الأميركيين.
وفي تعليق على وضع السياسات الأميركية، فإن هذه الحادثة أصبحت قضية شهيرة. ميت رومني، المرشح الجمهوري للرئاسة وجه الاتهامات بأن أميركا هي من جلبت هذه الهجمات من خلال الظهور بمظهر الضعف.
وبعد مقتل ستيفنز، زعم رومني أن وزارة الخارجية الأميركية، اعتذرت في رسالة من السفارة في القاهرة على موقع «تويتر» عن الأفعال المرتبطة بالهجوم. وفي الواقع، رسالة «تويتر» الصادرة عن القاهرة بعثت قبل هجوم بنغازي، وكانت متماشية مع رسائل التواصل الأميركية التي أرسلت في مناسبات شبيهة.
والرسالة واضحة: أميركا لا تدعم وليس لها علاقة بأي شكل من الأشكال بالفيلم المسيء، والمسلمون يجب أن لا يرضخوا للرغبة في ارتكاب أعمال العنف.
