أصدرت الحكومة الليبية الجديدة إنذارا نهائيا لميلشياتها: حلوا تنظيماتكم وانزعوا سلاحكم وإلا.. والدافع وراء التخلص من الميلشيات المتعددة التي لم تتحمل أي مسؤولية قانونية عن أفعالها، منذ سقوط نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، كان مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز والتظاهرات التي شهدت استيلاء محتجين على مقرات الميليشيات المتعددة أخيرا. ومن النظرة الأولى، تبدو هذه التحركات واعدة. فقد بدأ حكام ليبيا المنتخبون ديمقراطيا في تولي المسؤولية بدعم من شعب يزداد استياء من التقدم البطيء الذي تحرزه الدولة، على صعيد تأسيس نفسها بوصفها القوة الرئيسية في البلاد، منذ اضطرابات السنة الماضية.

وكانت البيئة التي نشأت في مرحلة ما بعد الحرب قد جلبت معها اشتباكات مستمرة بين الميليشيات المتنافسة، وبين الدولة وهذه الميليشيات، إلى جانب اغتيالات وحروب عصابات للاستيلاء على طرق التهريب. بالإضافة إلى ذلك، يعد الهجوم على البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي، الثاني من نوعه منذ شهر يونيو الماضي، وهو الشهر نفسه الذي تم التعرض فيه للسفير البريطاني إلى ليبيا، دومينيك اسكوايث.

عائقان رئيسيان

لكن ما زال هناك عائقان رئيسيان أمام تهميش الميليشيات، بما في ذلك المتشددين العاملين في أدرنة، حيث يوجد معقل الإسلاميين الليبيين.

وجل ما حصل فيما كان الليبيون والمعلقون الدوليين يحتفلون بمهاجمة الناس للميلشيات باعتبارها نصرا، لاسيما اقتحام المقر الرئيسي لانصار الشريعة، وهي الجماعة التي وجه إليها اللوم فيما يتعلق بمقتل السفير الأميركي، هو طرد الميليشيات ودفعها نحو العمل السري تحت الأرض. ولقد هجر رجال تلك الميليشيات قواعدهم، آخذين معهم أسلحتهم وذخائرهم، بدلا من أن يجري اعتقالهم ،أو وضعهم تحت السيطرة الحكومية.

وهذا الأمر سيضاعف المشكلات الأمنية القائمة، لأنه سيعني أن بإمكان الميليشيات التحول للعمل كوحدات صغرى ،بدلا من جماعات كبرى يمكن التعرف عليها واستهدافها بسهولة أكبر. ويمكن أن تمضي الحكومة في محاولتها إزالة تلك الميليشيات في شكلها الجديد، لكن يبقى موضع شك ما إذا كان الجيش التابع للدولة، المهيأ في العادة لاستهداف تركيبات عسكرية اكبر حجما ومقرات يمكن التعرف عليها، لديه التنظيم والخبرة والفاعلية لمحاربة وحدات أصغر مبعثرة ،قد تمضي في عمليات الكر والفر، بل وتعمل على تصعيدها.

بالإضافة إلى ذلك، يعني هذا الأمر ضمنا أن الحكومة تتخلى عن فكرة المسار التصالحي لصالح مواجهة مسلحة مباشرة، مما يمثل إشكالا في ظل بيئة غير مستقرة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تبقى الحاجة إلى علاج الخلافات بين الحكام الحاليين وأسلافهم، بل قد يكون ضارا بسبب الروابط التي تربط الميليشيات مع المناطق المحلية والأحياء، فبعض هذه الميليشيات له روابط عائلية وسياسية وقبلية قوية. وإصلاح هذا الأمر سيكون له عواقب أكثر شدة بكثير بسبب نقص السيطرة الحكومية والقوة الأمنية العاملة.

صعوبة حل الميليشيات

ومع ذلك، إذا سمح لبعض الجماعات بأن تبقى مستقلة دون المساس بها، فان هذا لن يطيل بقاء تلك البيئة الأمنية المتزعزعة ويشوه المسار السياسي بسبب الحماية المعطاة لهذه الجماعات فحسب، وإنما سيدعو الجماعات الأصغر حجما أيضا إلى رص صفوفها والاندماج معا، مما يجعل جهود الحكومة مسعى عقيما ورمزيا.

إن إحدى المقاربات الواقعية للتحديات الأمنية في ليبيا تتمثل في الإقرار بأن قوات المليشيات الأقوى ستبقى القوة الرئيسية على الأرض. والحكومة الليبية ربما تكون الآن قد بدأت في قبول هذه الحقيقة. لكن ما يفترض القيام به، كجزء من هيكلية تنظيمية، هو إخضاع الميليشيات لمزيد من المساءلة، ليس هذا فحسب، وإنما جعلها اكثر كفاءة وفاعلية بوصفها ميليشيات لتطبيق القانون تعمل بالشراكة مع قوات الأمن المركزية للدولة.