بالنسبة لكل من لا يزال يتمسك بالاعتقاد الساذج أن التغيرات الدراماتيكية الأخيرة التي طرأت على المشهد السياسي في الشرق الأوسط جعلت العالم أكثر أمناً، فإن مصرع السفير الأميركي لدى ليبيا وثلاثة من موظفي سفارته في ذكرى أحداث 11 سبتمبر ينبغي أن يكون نداء إيقاظ وحشي.
على امتداد أكثر من عام، مضى سياسيون على جانبي المحيط الأطلسي يقدمون دعمهم الحماسي للتغيرات الزلزالية التي تحدث في صفوف النخب الحاكمة التي هيمنت على المنطقة على امتداد عقود من الزمن.
ومع تنحية طاغية إثر آخر من سدة السلطة، سواء بقوة السلاح، أو بالقوة الكاسحة النابعة من السخط الشعبي، فإن القادة الغربيين بادروا بصورة شاملة لتقديم دعمهم لما حددوه في مجافاة للصواب بأنه «ربيع عربي» على غرار الحركات المؤيدة للديمقراطية على الطريقة الغربية التي اكتسحت الطغيان.
تأييد غير مسبوق
في واشنطن سعى الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ مطلع فترته الرئاسية إلى «بداية جديدة» لعلاقات أميركا المفعمة بالمشكلات مع العالم الإسلامي.
وقدم تأييداً لم يسبق له مثيل لأولئك الذين يشنون حملة من أجل التغيير في العواصم العربية الكبرى، وشجع بصورة نشطة الإطاحة بأحد حلفاء واشنطن، والذي يعد الأطول بقاء في سدة الرئاسة، وهو الرئيس المصري السابق حسني مبارك، كما دعم الحملة العسكرية للإطاحة بالرئيس الليبي السابق معمر القذافي.
وفي لندن، تبنت حكومة التحالف موقفاً نشطاً بشكل مماثل، وكان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي في مقدمة التحالف الذي قاده «ناتو» لتغيير النظام في طرابلس.
بينما قام وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ بانتظام بإلقاء محاضرات على العاملين في إدارته، مفادها أن من المهم بالنسبة لبريطانيا أن ينظر إليها على أنها تؤيد الإصلاحيين الذين يتحركون من أجل التغيير في الشرق الأوسط.
موجة التغيير
ولكن على نحو ما أوضح اغتيال السفير الأميركي في بنغازي والعاملين في سفارته، أن موجة التغيير التي تجتاح المنطقة لا تخلو من المخاطر، ولا يزال الوقت مبكراً على القول بشكل مؤكد من الذي يتحمل مسؤولية الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي؟ ولكن هذا الحادث المأساوي يلقي ضوءاً قوياً على التيارات الخطرة التي تنداح تحت سطح الحركات الإصلاحية.
وفي ضوء توقيت هذا الهجوم ليواكب الذكرى الحادية عشرة لأسوأ هجوم تم تنفيذه على الأراضي الأميركية، فمن المؤكد أنه كانت هناك أطروحات تشير إلى أن هذا الهجوم من تنفيذ تنظيم القاعدة. وقد سارع مسؤولون ليبيون حقاً إلى نسبة هذا الهجوم إلى تنظيم «أنصار الشريعة»، وهي مجموعة متشددة معروفة بصلاتها الوثيقة بالقاعدة.
والتي تعرضت للبطش في ظل نظام القذافي. ولكن لم يكد يتم إلقاء اللوم على القاعدة في ما يتعلق بهذا الهجوم، حتى انبرى مسؤول ليبي آخر يشير إلى مسؤولية الموالين للقذافي الذين لا يزالون يتحركون بنشاط في منطقة بنغازي.
والذين أرادوا الاحتجاج على تسليم رئيس المخابرات الليبي السابق عبد الله السنوسي إلى ليبيا أخيراً. وقد بلغ مستوى الفوضى في ليبيا ما بعد القذافي حداً يمكن معه لأي من هاتين النظريتين أن تكون صحيحة.
غير أنه يمكن أن يكون لهذا الهجوم تأثير جانبي غير مخطط له ترتب على الاحتجاجات على الفيلم الأميركي المسيء للإسلام، والذي يبدو أنه قد أنتجه مطور عقاري يقيم في كاليفورنيا يدعى سام باسيلي.
لا شك في أن الخمسين عسكرياً المنتمين إلى المارينز الأميركيين، الذين بعث بهم أوباما إلى ليبيا لاقتفاء أثر قاتلي السفير الأميركي كريس ستيفنز، سوف يصلون إلى استنتاجاتهم الخاصة في ما يتعلق بالقتلة المحتملين.
تظهر الحقيقة القائلة بأن دبلوماسياً مؤيداً للنظام الجديد في ليبيا كستيفنز يمكن أن يلقى مثل هذه النهاية، تظهر أن الحضور الغربي في ليبيا لا يلقى التقدير ولا الترحيب بصورة شاملة.
فبينما يتمسك الموقف الرسمي للحكومة الليبية الجديدة المنتخبة في يوليو الماضي بمتابعة الحوار الودي مع الغرب، هناك العديد من الأجنحة الأخرى، بما في ذلك أولئك الذين يؤيدون أجندة متشددة، والذين يريدون أن تتبنى ليبيا منهجاً أكثر عداء للغرب، ويضيقون ذرعاً بالنفوذ المتواصل الذي تحظى به القوى الغربية على تنمية ليبيا.
كانت هناك مؤشرات تحذير حقاً من رد فعل عنيف على الحضور الغربي في ليبيا منذ الصيف الفائت، عندما قامت مجموعة جيدة التنظيم من المتشددين بتدنيس مقابر العسكريين البريطانيين الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية. وهنالك أيضاً المحاولة التي منيت بالفشل لاغتيال السفير البريطاني لدى ليبيا سير دومنيك أسكويث.
إن الرئيس أوباما يمكن أن يجد نفسه خارج البيت الأبيض بعد انتخابات نوفمبر المقبل، ما لم يكن بمقدوره المجيء بسبل مقنعة لمعالجة وضع الجيل الجديد من المتشددين في العام العربي.
