ألقى الغضب الذي احتدم بين الصين واليابان، خلال الأسابيع القليلة الماضية، ظلاً طويلًا على السلام والاستقرار في منطقة شمال شرقي آسيا وما يليها.
وقد فسر النزاع، لدى إلقاء النظرة الأولى عليه، باعتباره عملاً من أعمال النزعة الوطنية الخالصة، خصوصا من جانب الصين.
وقد أعلن فريق من الناشطين من هونغ كونغ، الذين استقلوا سفينة صيد مصممين على إعلان سيادة الصين على جزر سنكاكو المتنازع عليها (المعروفة في الصين باسم ديايو) أعلنوا أخيرا النجاح بعد أن تمكنوا من الرسو على شواطئ الجزر، ولكنت عقب ذلك ألقت السلطات اليابانية القبض عليه ورحـّلتهم.
تدهور قياسي
وفي الوقت نفسه تم تنظيم جماعات حاشدة مناهضة لليابان في مناطق عديدة من الصين، الأمر الذي يشير إلى تدهور قياسي آخر في العلاقات بين البلدين. وقد ألقى الثقل التاريخي أيضا بظلاله على الصراع، فقد اتهمت الصين باستمرار اليابان بالتغطية على جرائم الحرب اليابانية، وذلك بالسماح لقادة حكومتها بزيارة مزار ياسوكوني المثير للجدل في طوكيو.
وبالنسبة للبعض، فإن النزاعات الإقليمية والتاريخ ليسا الثقلين الوحيدين الذين يجثمان على العلاقات الصينية- اليابانية، فقائمة القضايا التي تثقل العلاقات الثنائية تتراوح بين التنقيب عن الغاز في المناطق المتنازع عليها لبحر الصين الشرقي إلى الخلافات في الرأي .
والأكثر أهمية من ذلك في الأساليب الخاصة بالتعامل مع برنامج كوريا الشمالية النووي. ولدى اليابان انطباع بأن الصين باعتبارها رئيسة للمحادثات السداسية لم تتصرف في إطار علاقاتها مع كوريا الشمالية على نحو ما توقعت اليابان.
غير أنه لدى النظر إلى المسألة عن كثب، فإن النقاش لا يدور حول ماضي اليابان العسكري أو النزاعات الإقليمية أو عدم التخلص من اللعنات القديمة.
جوهر المشكلة
تكمن في جوهر المشكلة مسألة أي البلدين، الصين أم اليابان، ستبرز باعتبارها القوة الآسيوية المهيمنة في القرن الجديد. ويصبح موقف البلدين حيال بروز الصين أكثر وضوحا مع احتدام التنافس السياسي والعسكري والاقتصادي بين البلدين. وتخشى اليابان من أن تحل الصين محلها باعتبارها ملتقى التصنيع في آسيا، ومن فقدان هيمنتها على المجال الاقتصادي في جنوب شرق آسيا في أعقاب اتفاقات التجارة الحرة التي وقعتها الصين.
وعند هذا التقاطع المعقد للطرق، فإن صراع القوى الصيني- الياباني قد تم إدراجه بعناية في الحسابات الاستراتيجية لجنوب شرق آسيا في ضوء أن الصراع بين البلدين يمكن أن يكون حاسماً بالنسبة للاستقرار والتنمية على امتداد آسيا.
هل يمكن لهذا الانتقال في النظام الإقليمي أن يتحول إلى ازدهار سياسي واقتصادي بالنسبة لجنوب شرق آسيا؟
تعتمد دول رابطة جنوب شرق آسيا المعروفة باسم "آسيان" بصفة خاصة على ردود فعل المنطقة وخياراتها السياسية التي ينبغي لها بالضرورة أن تكون متساوقة بصورة متساوية مع المصالح الصينية واليابانية .
وحتى الآن ، فإن علاقات "آسيان" بالصين واليابان قد ظلت على مسارها بصورة ودية، حيث كانت اليابان من أولى الدول التي أرسلت متطوعين في إطار بعثة الإنقاذ وإعادة الإعمار في مناطق التي ضربتها موجات التسونامي العملاقة في جنوب شرق آسيا قبل 8 سنوات، وفي السنوات الأخيرة لم ترفع العلاقات التجارية بين "آسيان" واليابان مستوى العلاقات بين الجانبين إلى درجة أعلى فحسب، وإنما أشارت أيضا إلى طموح طوكيو للقيام بدور سياسي أكبر في جنوب شرق آسيا.
وفي غضون ذلك، وعلى الجانب المشرق فإن "آسيان" والصين تتمتعان فيما بينهما باتفاقيات التجارة الحرة، التي أدت إلى نمو مزدوج الأرقام في العلاقات التجارية الثنائية، وتشعر بعض الدول الأعضاء في" آسيان" بالارتياح حيال بروز الصين.
كما هي الحال بالنسبة لتايلاند ولاوس وكمبوديا، وهي تعتقد أن بكين تستحق استجابتها الإيجابية، ولكن الصراع في بحر الصين الجنوبي بين الدول الأعضاء في آسيان" والصين قد يؤدي إلى عرقلة محاولة "آسيان" تحسين علاقاتها مع بكين.
من المنظور الاقتصادي فإن الاحتكاك الصيني الياباني المحتدم قد أفاد اللاعبين الآخرين في المنطقة ، حيث إن المنتجين اليابانيين يتلهفون إلى زيادة نصيبهم من السوق الصيني، وملء الفراغ الذي سيوجد إذا قرر المستهلكون الصينيون الوطنيون مقاطعة المنتجات اليابانية.
وبالمثل فإن المواجهة الصينية اليابانية يمكن أن تفيد المنتجين في اليابان إذا ما نقل المستثمرون اليابانيون قواعد منتجاتهم من الصين إلى جنوب شرق آسيا، والمزيد من المنافع يمكن ان تشق طريقها إلى صناعة السياحة المزدهرة في آسيان.
عند المنعطف الحالي فإن الصين يمكن أن تجد نفسها في صراع من التنمية الاقتصادية في البيئة المعادية الراهنة، وسيمنى الدور السياسي الأكبر لليابان بالإخفاق من دون الدعم الصيني، ومكانة "آسيان" الدولية يمكن أن تصل ذرى جديدة من خلال المساعدة في تسهيل الحوار بين الصين واليابان.
