عندما أصدرت مجموعة تحقيق في حرب العراق نداء إلى الرأي العام لإجراء التحقيق حول عملية صنع القرار التي تكمن وراء مساهمة أستراليا في غزو العراق عام 2003، قلل أعضاء حكومة هوارد التي كانت في السلطة آنذاك من شأن هذه الدعوة باعتبارها شيئاً يعود إلى الماضي، وجادلوا بأن التركيز ينبغي أن ينصب على التحديات الأمنية التي تواجه أستراليا اليوم وغداً، بدلاً من محاولة إعادة التخمين في أمور وقرارات تنتمي إلى الماضي.
لم يكن هذا الرد من جانب حكومة هوارد مثيراً للدهشة، ولكن المثير للدهشة بالفعل كان رد فعل الحكومة العمالية الحالية أخذاً في الاعتبار معارضتها الحازمة والمبدئية للحرب العراقية في عام 2003. فقد رفض رئيس الوزراء ووزير الدفاع هذه الدعوة وذهب إلى القول بأنه بما أن دروساً قد تم تعلمها بالفعل من هذه المسألة، فإن تحقيقاً جديداً لا يعد من الأمور الضرورية.
حرب مزعجة
وبالنسبة للكثير من الأستراليين فإن الحرب على العراق تظل شيئاً مثيراً للانزعاج، وشأناً لم ينته بعد. ومن شأن التحقيق العام في هذه الحرب المأساوية أن يساعد على إدراك الحقائق للسياسية الكامنة وراء هذه الحرب.
ينظر إلى الأنظمة الديمقراطية باعتبارها محبة للسلام أكثر من أية أشكال أخرى للحقوق، وباعتبار أن الأمر كذلك، فإن قادتها الذين يخوضون غمار الحرب ينبغي إخضاعهم لأشكال موثوقة من القابلية للمحاسبة الديمقراطية عن أعمال الحرب. ومثل هذه الآليات غائبة الآن عن الأنظمة الديمقراطية البرلمانية، مثل أستراليا، بريطانيا والهند.
وهذا الملف لم يتم إغلاقه على المستوى العالمي، فقد رفض كبير الأساقفة إدموند ديزموند، الفائز بجائزة نوبل للسلام، أن يشارك رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير منصة الخطابة، وانسحب من فعالية دولية كان من المقرر عقدها من جوهانسبرغ، وفسر موقفه في مقال نشرته صحيفة «أوبزرفر» أخيراً.
لاأخلاقية الغزو
كتب توتو يقول إن: «لاأخلاقية الغزو الأميركي والبريطاني للعراق في 2003، قد أخلت باستقرار العالم وقسمته شيعاً وأحزاباً بدرجة تفوق أي صراع آخر في التاريخ». وأضاف إن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وبلير قد «فبركا الأسس التي تصرفا وفقها تصرف المتنمرين، ودفعا بالعالم إلى حافة الهاوية التي نقف عندها الآن» في ما يتعلق بسوريا ودول أخرى.
وتساءل توتو على نحو أكثر دلالة، عن السر في أن القادة الأفارقة ينبغي تقديمهم للجنائية الدولية، بينما ينضم بلير إلى دائرة المتحدثين الدوليين. وأضاف: «في عالم متزن فإن المسؤولين عن هذه المعاناة وفقدان الحياة في العراق ينبغي أن يدفعوا في الطريق ذاته الذي سلكه نظراؤهم الأفارقة والآسيويون الذين أجبروا على أن يحاسبوا على أعمالهم في لاهاي».
تشير الحكمة التقليدية إلى أن حرب العراق كانت حرباً غير مشروعة ولاأخلاقية وأودت بحياة الكثيرين، وتسببت في معاناة هائلة، وكانت وراء نكسات كبيرة تعرضت لها المصالح الغربية. والحكمة التقليدية يمكن أن يجافيها الصواب، والطريقة الأكثر فاعلية بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن هذه الحرب كانت في موضعها وأدت إلى نتيجة جيدة، هي أن يتصدوا للحكمة التقليدية في هذا الشأن من خلال تحديها في تحقيق مفتوح يتمتع بالمصداقية. وهذا هو السبب في أنه يتعين عليهم تأييد الدعوة إلى إجراء تحقيق حول حرب العراق، وإلا فإنه بخلاف ذلك فإن الحكمة التقليدية بشأن هذه الحرب سوف تسود باعتبارها حكم التاريخ المهيمن.
تظل شرعية حرب العراق عام 2003 موضع نزاع، ومعظم الأستراليين سيشعرون بعدم الارتياح إزاء الفكرة القائلة بأن هذه الحرب ربما كانت أول حرب غير قانونية تخوضها أستراليا. ويشير بروفسور تشارلز سامفورد، عميد مؤسسة القانون في جامعة غريفث، إلى أن غالبية المحامين الدوليين يعتقدون أن حرب العراق كانت غير مشروعة.
ومن يعتقدون خلاف ذلك ينبغي أن تتاح لهم الفرصة لإظهار صحة حججهم أمام محكمة مستقلة.
وهذا أمر تبرز أهميته الآن بعد أن مدت الدول نطاق صلاحية المحكمة الجنائية الدولية لتشمل جرائم العدوان. ولأن ذلك لا يمكن تطبيقه بأثر رجعي، فإن دعوة توتو لمحاكمة بلير وبوش أمام هذه المحكمة قد لا تكون واقعية، ولكن التعريف المتفق عليه للغزو، هو أنه: «غزو أو هجوم للقوات المسلحة لدولة ما على أراضي دولة أخرى، أو أي احتلال عسكري مهما كان مؤقتاً يسفر عن مثل هذا الغزو أو الهجوم».
وسيركز الأذهان في المستقبل على القرارات المتعلقة بالحرب. ومن شأن إجراء تحقيق في حرب العراق أن يسهم في إيضاح المزايا والعيوب للأساليب المختلفة في التعامل مع آليات محاسبة القادة المسؤولين عنها، ومن الأمور الجوهرية في هذا الصدد الحاجة إلى إعادة تأكيد حكم القانون باعتباره عنصراً بالغ الأهمية بالنسبة للمجتمع المتحضر محلياً ودولياً.
