بعد تسعة شهور تقريباً من انسحاب القوات الأميركية من العراق، فإن العراق لا يزال بلداً ممزقاً بفعل السياسات الطائفية والعنف الذي يجتاح أرجاءه. ومن المؤكد أن الحكم الصادر غيابياً، أخيراً، على نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي بالإعدام، بتهمة التسبب في قتل عراقيين اثنين سوف يؤدي إلى المزيد من تفاقم التوتر السائد في العراق، وربما يمتد هذا التوتر إلى ما وراء حدود العراق.
تفنيد الهاشمي
ويعد الهاشمي من السياسيين البارزين المنتمين إلى طائفة السنة، في بلد يشكل الشيعة غالبية سكانه، وقد لاذ بالفرار من العراق بعد صدور مذكرة توقيف بحقه في ديسمبر الماضي. واتهم بداية بإدارة فرقة إعدام خلال أسوأ فترات المذابح الطائفية بعد الإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسن، ودين غيابياً، أخيراً، بتهمة قتل محام ومسؤول أمني، غير أنه بادر فور صدور الحكم بالتعقيب عليه قائلاً: إنه حكم «زائف وظالم».
وقد شملت هيئة المحكمة التي نظرت قضية الهاشمي قضاة من السنة والشيعة على حد سواء، ومن الصعوبة بمكان بالطبع معرفة ملابسات القضية من خلال نظرة من بعيد، ولكن في ضوء هشاشة العراق في الوقت الراهن، فإن الحكم على الهاشمي، الذي يعد من المنتقدين البارزين للرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، بالسجن كان من شأنه أن يكون عقاباً كافياً، حسب رؤية الكثير من المراقبين اللذين يتابعون التطورات على الساحة العراقية.
رفض احتواء السنة
كانت هناك على الدوام ظلال سياسية قوية على هذه القضية، وقد أبدى المالكي اهتماماً بعمليات إنزال العقاب بأبناء الطائفة السنية أكثر مما أظهر ميلاً إلى تشجيع احتواء هذه الطائفة وإدراجها في العراق الجديد. وغالباً ما تدخل شخصياً في عملية نظر المحكمة للقضية.
أدت محاولات المالكي الصارخة لاحتكار السلطة في العراق إلى محاولات الساسة السنيين والأكراد تنحيته جانباً بالاقتراع على عدم الثقة في حكومته من خلال البرلمان العراقي، ولكن جماعات المعارضة العراقية تستحق اللوم كذلك عن وصول العراق إلى هذا الطريق السياسي المسدود. وهم بمقدورهم أن يخدموا أبناء بلدهم بشكل أفضل من خلال العمل مع المالكي على تنفيذ صفقة تبادل السلطة التي تم إبرامها في أعقاب الانتخابات العراقية في عام 2010، وذلك لتقوية المؤسسات الديمقراطية العراقية، وضمان إجراء انتخابات عادلة ونزيهة في عام 2014.
وفي غضون ذلك، تدعو دول عربية الثوار السوريين وتشجع في الوقت نفسه المعارضة العراقية. ويشعر المالكي بالقلق حيال إمكانية أن يكون هو نفسه الهدف التالي الذي ستسعى للنيل منه القوى التي تآلفت للوقوف ضد الأسد. وهو يشعر كذلك بالقلق الشديد من أن الجناح المحلي في العراق لتنظيم القاعدة يمكن أن يبادر لتفجير المزيد من العنف في مختلف أرجاء العراق، وهو القلق الذي تبرره في نظر كثير من المراقبين سلسلة التفجيرات التي شهدها العراق أخيراً.
جهود أميركية
تحاول إدارة أوباما في الوقت الحالي تهدئة الموقف في العراق بإقناع كل من أنقرة وبغداد بأن لديهما مصالح مشتركة، ومن بينها ضمان استقرار سوريا وتماسكها والقضاء على الصراع الطائفي. ويمكن لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن يقدم مساهمة في هذا الاتجاه بمحاولة التوصل إلى سلام حقيقي مع المعارضة السنية في بلاده.
