«هناك شيء في المؤتمر الوطني يجعله آسرا كعملية الشنق أو استعادة الحياة، إنه سوقي وقبيح وتافه وممل، وهو مجهد للجهازين العصبي والعضلي، لكنه ساحر بطريقة ما. يجلس المرء في جلسات مطولة، متمنيا من كل قلبه أن يموت المندوبون والمناوبون، ويذهبوا إلى الجحيم، وفجأة يطل عرض بالغ البهرجة والجذل، ويحتوي على كثير من الميلودراما والفجور ومبهج وأخرق ومثير للضحك بشكل لا يمكن تصوره، فيعيش المرء سنة رائعة في غضون ساعة من الزمن».

هكذا كتب هنري لويس منكن في عام 1924 عن المؤتمر الوطني الديمقراطي الذي عقد في "ماديسون سكوير غاردن" في نيويورك. لم يكن هناك في تاريخ الحزب مؤتمر رئاسي سبب هذا القدر من الإرهاق. ولقد دام 16 يوما، ومر عبر 103 اقتراعات قبل أن يجري اختيار جون ديفز أخيرا بوصفه حامل راية الحزب الديمقراطي، وهو النائب العام وسفير أميركا لدى بريطانيا سابقا، ولقد مني ديفز بعد ذلك بخسارة كاسحة أمام الرئيس كالفن كوليدج.

دور نفتقده اليوم

يا لها من أيام جميلة، عندما كانت المؤتمرات الحزبية لها أهمية بالفعل. لم يكن لها ربما جمهور على محطة التلفزيون الوطنية أو مكيفات هواء للتبريد، وكان عليها الاستغناء عن البالونات، وتطبيقات الـ "آي باد" أو خشبات مسارح مستوحاة من أعمال المعماري "فرانك لويد رايت". لكن مؤتمرات الترشيح، على مدى عقود من الزمن، كانت تتسم بشيء تفتقده منافسات اليوم الانتخابية المتطورة تكنولوجيا بشكل واسع، وهو دور أصلي لا غنى عنه في المسار الديمقراطي للأمة.

كان المندوبون يجتمعون كل أربع سنوات لاختيار المرشح الرئاسي، من دون الحاجة إلى ذكر أسماء 103 مندوبين لاتخاذ قرارهم، وهذا القرار الصادر في عام 1924 لم تكن نتيجته متوقعة سلفا، لكن كان التوصل إلى إجماع أو اتفاق جماعي في الرأي هو هدف المؤتمرات. واليوم، عندما يجري اختيار مرشح الحزب قبل فترة طويلة من وصول المندوبين، فإن المؤتمرات ليست إلا عملاً مسرحياً، تجمعاً حماسياً حزبياً على نطاق خارج المألوف.

تمثيلية مكلفة

إنها كوابيس أمنية مكلفة ومدمرة، ولقد آن الأوان للتخلي عنها.

ولا يوجد خطأ في أن يتنافس الطرفان استعداداً للقتال، فيما هما يتجهان نحو المواجهة. والعظمة والأبهة بكل وضوح لها موقع في الحياة الأميركية، لنتصور عملية تنصيب الرئيس أو الشوط الأول خلال نهار أحد من مباراة نهائي دوري كرة القدم الأميركية "سوبر بول".

لكن الاحتفاء لا زال يخدم مهمة ذات مغزى: فالانتقال السلمي للسلطة في احتفال وطني هو بتكليف من الدستور، وتعد مباراة "سوبر بول" قمة موسم كرة القدم. والمؤتمرات، في المقابل، بعد حرمانها من غرضها الأساسي، جرى تحجيمها لتغدو ممارسة في التفخيم الذاتي. والحزبان الرئيسيان مهووسان بكسب اهتمام صحافي، ولقد أرسلت المؤسسات الإعلامية 15 ألف موظف إلى تامبا لحضور مؤتمر الجمهوريين، من دون أن ينتج عن ذلك أخبار حقيقية. ووسائل الإعلام، بدورها، تقوم بعرض كبير في أن تكون شاهدة على التاريخ، في حين أنها تشهد إعلانا طويلا نسبيا.

فلماذا تجري إدامة هذه التمثيلية؟ الأحزاب تنفق عشرات الملايين من الدولارات في سبيل إعداد هذه المناسبات، والمؤسسات الإخبارية تستثمر ثروة في عملية تغطيتها، ودافعو الضرائب يوظفون 136 مليون دولار من الأموال الفيدرالية في هذه المناسبات. لماذا يجري القيام بكل هذا؟

لا طائل منها

فمعظم الناخبين لا يشاهدون أحداث المؤتمر المتلفزة أو القليل منها، وكل حفلات التتويج تلك ليس لها إلا بعض التأثير الملحوظ على الكيفية التي تأتي بها الانتخابات.

وللمؤتمرات من يدافع عنها، يقول مندوب ولاية بنسلفانيا، جون رودجرز: "إنها توجد الحوار والسجال والنقاش حول قضايا المجتمع، وهذا يعد أمراً جيداً، علاوة على أنها احتفال بديمقراطيتنا".

إنها مجرد مسألة وقت. فالكرنفال المبهرج والسعيد الذي كان تسلية، اصبح أثرا عبثيا مولعا بالتفاخر. وسوف ينقرض في النهاية ويلتحق بالديناصورات.

آلية بائدة

 

يقول المحررون في صحيفة "يو إس إيه توداي" إن مؤتمرات الترشيح للرئاسة في أميركا "لا زالت مهمة" حيث إنها "نوع من الدعوة لليقظة بالنسبة إلى من لا يتعاطى السياسة، وتذكير له لكي يبدأ في الالتفات إلى الانتخابات الرئاسية". ويعتبر لديفيد غرغن من كلية جون كيندي التابعة لجامعة هارفرد، أن المؤتمرات، على الرغم من أنها تستغرق وقتا، إلا أنها تمكن الجمهوريين والديمقراطيين من التعريف" بالنجوم الصاعدين" وتجبر الأحزاب على توضيح معتقداتها في إطار برامج حزبية". وهذه كلها مسوغات تلي ارتكاب الجرم، وهي بالكاد تشكل أسبابا جيدة للتعلق بآلية سياسية منذ القرن التاسع عشر جعلها القرن العشرون بائدة.

وهناك سبب واحد فعلي لعدم إلغاء هذه المؤتمرات. تقول ديمترا دو مونت، العضوة في اللجنة الوطنية الجمهورية عن ولاية إلينوي: "إنها مجرد تقليد، والمؤتمرات مكلفة، وكل من الحزبين لديه استخدامات أفضل للأموال"".