لماذا وضعت العناية الإلهية الرئيس الأميركي باراك أوباما على هذه الأرض؟ لو سئل هذا السؤال بين فترة خطابه أمام مؤتمر الديمقراطيين عام 2004، وحملة ترشحه عام 2008، لكان بالإمكان اختصار الإجابة في خطاب يقول الكثير عما قام به في كلمات موجزة.

وأوباما جاء من أجل إيجاد العلاج الشافي للسياسات الأميركية، ولمساعدة أميركا على تجاوز السجالات التسويفية والتحزب الطفولي اللذين يؤديان إلى الركود والعبثية والسخافة.

وهذا الهدف لم يبق كما هو عند أول اتصال بالواقع. لكن أوباما وجد مهاماً أخرى واضحة له. ففي عام 2009، كانت مهمته تتمثل في تجنب أسوأ ما أنتجته الأزمة المالية، وفي عام 2010، تمثلت في توسيع تغطية نظام التأمين الصحي. وخلال هذا الوقت، كان الهدف وراء وجود باراك أوباما معروفاً، كما أين تقع أولوياته، لكن منذ عام 2010، لم تعد الحال كذلك.

ومؤتمر شارلوت الأخير للحزب الديمقراطي في أميركا، شكل الفرصة الأفضل له لتقديم خطاب موجز، يعرف بما يقوم به أو بوجهات نظره، وبتحديات أميركا الأكثر إلحاحاً، وكيف يخطط للتعامل معها.

خيارات واضحة

ويوجد أمام أوباما ثلاثة خيارات واضحة:

أولاً، الاحتباس الحراري، وكان أوباما قد قال، بين الحين والآخر، إنه يرغب بالقيام بشيء حول التغيير المناخي، إذا ما تسنى له البقاء لولاية ثانية. وإذا أخذنا في الاعتبار المشكلات الاقتصادية والمالية المباشرة للبلاد، فإن هذا يبدو موقفاً متبلد الإحساس، لكن إذا كانت هذه فعلاً ميول أوباما العاطفية، فإنه كان يفترض به المضي فيها.

كان بإمكانه أن يتعهد بالمخاطرة بمضاعفة الرهان على الطاقة الخضراء والتكنولوجيا المصاحبة لها، وبإعادة إحياء قوانين «حد الانبعاث ونظام المتاجرة»، باعتبارها أدوات السياسة البيئية، وذلك من خلال «فرض سقف على الانبعاثات مع تأمين مرونة في فرضها»، ما يوجد حوافز لابتكارات نظيفة. وكان بإمكانه اقتراح حزمة إصلاح ضريبي، واستبدال ضرائب البنزين واستهلاك الطاقة، لتحل محل جزء من ضرائب الدخل الحالية، وأن يقول إن أولوياته الدولية ستكون التوصل إلى معاهدة دولية حول الاحتباس الحراري، مصدق عليها من قبل الدول الرئيسة جميعها. كان يمكنه عندها أن يصيغ أجندة فكرية جدية واسعة النطاق، مصممة للتعامل مع هذه المشكلة الكبيرة.

ثانياً، الرأسمالية المتصدعة. كان بإمكان أوباما أن يذهب إلى المؤتمر ويقول إنه حدث فشل هائل في صميم الرأسمالية الحديثة، وإنه حتى في الأوقات الجيدة، فإن الثروة التي تولدها الرأسمالية الحديثة لا يتم مقاسمتها بشكل عادل، والعمال لا يرون فوائد مكاسب إنتاجيتهم.

وكان بإمكانه أن يقدم سياسات واسعة النطاق تكفي للتعامل مع هذه المشكلة الهائلة. كان يمكنه التعهد بتقوية النقابات العمالية، وأن يعد باستخدام الأموال الفيدرالية ليدفع لـ 500 ألف مدرس إضافي، ومليوني وظيفة أخرى في مجال البنى التحتية، وبوضع سقف على خصومات الفوائد على الرهن العقاري، وعلى منافع الضمان الاجتماعي، وبزيادة الضرائب على الأغنياء، وعلى الأرباح الرأسمالية، وتبني إجراءات أخرى لإعادة توزيع الأموال من الذين يزدادون ثراء إلى الذين لا يغتنون. وكان بإمكانه وقف كل التعهدات إلى الخارج وتنظيم التجارة، وأن يرمي بثقله وراء سياسة جديدة لإيجاد وظائف في مجال التصنيع.

وهذه الأجندة لن تخاطب المعتدلين، لكنها أجندة هائلة وجادة وتسلط الأضواء على المشكلة الحقيقية.

ثالثاً، باولز سمبسون. يقدم الجميع تأييده اللفظي لخطة باولز سمبسون لخفض عجز الميزانية الفيدرالية، من خلال خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، لكن أياً من حملتي الجمهوريين والديمقراطيين لم يتبن تلك الخطة بالفعل.

وكان بإمكان أوباما استخدام المؤتمر الديمقراطي لكي يقف بكل طيب خاطر وراء النهج العام لهذه الخطة، ويقول إن أميركا تنوء تحت ثقل المؤسسات المتعفنة، وتواجه دماراً مالياً. وكان بإمكانه أن يتعهد بالمضي في الإصلاح الضريبي الذي يخفض المعدلات ويقلص الثغرات، وأن يوافق على سقف معدله 22 % على الإنفاق الحكومي، والالتزام بحد النمو في الإنفاق المحلي والدفاعي، والمخاطرة بمضاعفة الرهان على أفكاره الداعية إلى احتواء كلفة العناية الصحية، علاوة على إعادة بناء الضمان الاجتماعي وجعله أكثر تقدمياً.

وهذه أيضاً أجندة جدية كبيرة، وتخاطب احتياجاً وطنياً فعلياً. كذلك، أجندة متناسبة مع حجم المشكلة التي تواجه أميركا.

ولو استخدم أوباما هذا المؤتمر لتبني خطة باولز- سمبسون بشأن خفض العجز، فإن هذا كان بإمكانه وضع الأسس لعقود من الازدهار، والدفع بأغلبية جديدة من أوساط يسار الوسط.

مخاوف الهزيمة

لكن أكثر من ذلك، بعض الناس يتمنون لو يندفع الرئيس وراء شيء ما، وينهض فوق الاعتبارات التكتيكية الصغيرة التي حجمته على مدى السنتين الماضيتين، وأن يعرف أخيراً إلى أين تميل توجهاته. شعبوي ليبرالي؟ أم معتدل على غرار كلينتون؟ يتعين عليه عند منعطف ما أن يختار بينهما. منذ أربع سنوات، قال أوباما إنه لم يعد بالإمكان تأجيل حل المشكلات الكبيرة. لكنه الآن يبدو منساقاً بمخاوف من الهزيمة، ومقترحاته تبدو متواضعة. وإذا كان ليس بمقدوره أن يقول الأمور السياسية الكبيرة التي يرغب في القيام بها، فإنه لا يستحق فترة رئاسية ثانية.

 

سياسة متواضعة

 

منذ عام 2010، قاد النائب الجمهوري بول ريان نقاشات سياسة واشنطن بسبب خطته حول خفض الإنفاق، وإعادة هيكلة الاستحقاقات. أما الرئيس الأميركي باراك أوباما، فقد أصدر، في أثناء ذلك، سلسلة من الميزانيات التي لا تمت بصلة بالموضوع.

لم يكن أوباما صاحب مبادرات، بل ردود أفعال، ولقد تم تعريفه على هذا المنوال، بسبب المواقف التفاوضية المتعددة التي اتخذها في مواجهاته مع الكونغرس. ولقد استخدم أسلوباً سياسياً يتسم بالتحزب لإخفاء جوهر سياسته عديمة الأهمية، وليس واضحاً ما ستملي عليه عواطفه القيام به، إذا ما انتخب لأربع سنوات مقبلة.