تجرأ الناطق باسم الخارجية الأميركية على القول، أخيراً، إن قرار الصين الأخير بإقامة موقع عسكري في مدينة "سانشا" الصغيرة في جزر "باراسيل" المتنازع عليها يتعارض" مع جهود التعاون الدبلوماسية لحل الخلافات ويخاطر بمزيد من تصعيد التوتر في المنطقة". فقامت وزارة الخارجية الصينية على الفور باستدعاء مسؤول في السفارة الأميركية لتقريعه، وطلبت وسائل الإعلام التي تديرها الحكومة الصينية من الولايات المتحدة أن "تصمت" وتوقف "التحريض" في المحيط الهادئ.
لكن لماذا تظهر الصين كل هذا الغضب؟ الأمر يعود في بعض جوانبه إلى حاجة الأجنحة المختلفة في بكين إلى أن تبدو حازمة بشأن القضايا المتعلقة بالسيادة قبيل مؤتمر الحزب المقبل. لكن هناك سبباً آخر لهذا الغضب، فتصرفها العدائي في بحر الصين الجنوبي أدى إلى رد فعل عنيف من الدول المجاورة التي تصلبت في مواقفها وتصميمها على مقاومة التسلط الصيني.
وبكين تريد معاملة أميركا بوصفها "اليد السوداء" التي تسمم العلاقات مع جنوب شرقي آسيا، وقد يكون الدافع وراء ذلك دعائياً، لكن الخطر يكمن في أن الحزب الشيوعي بات يركز على أميركا بوصفها العدو الإقليمي.
مياه تاريخية؟
ومزاعم الجمهورية الشعبية الحالية تستند إلى خريطة صادرة عام 1947 من قبل حكومة تشانغ كاي تشك ذات الميول القومية والتي ترسم خطاً على شكل حرف U اللاتيني، حول ما يزيد على 90% من بحر جنوب الصين. ولقد أعادت الصين تحت نظام ماو إصدار هذه الخريطة، مدعية أن البحر هو "مياه تاريخية" للصين.
وتستمر بكين في استخدام هذه الخريطة لتبرير مزاعمها، على الرغم من أنها تراوح ما بين القول إن مطالبها تستند إلى قانون معاهدة البحار للأمم المتحدة لعام 1996، أو إلى حقوق الأراضي التي تسبق المعاهدة. وهي تتصرف كما لو أنها تملك كل البحر ضمن هذا الخط، حيث أدانت عمليات الاستكشاف الفيتنامية الأخيرة لمناطق تقع داخل الخط "الإقليمي" والمناطق الاقتصادية الخاصة الساحلية لفيتنام.
وكل هذه الأمور هامة بالنسبة لأميركا، لأن حوالي ثلث التجارة العالمية يمر عبر بحر الصين الجنوبي، وحرية الملاحة هي مصلحة حيوية لأميركا، في مواجهة ما تطلق عليه "تأكيد الذات الزاحف" لبكين.
وحتى لو امتلكت الصين كل الجزر المتنازع عليها، فإن مواقع المياه التي تسيطر عليها استناداً إلى قانون البحار ستكون محدودة نسبياً. مجموعة صغيرة فقط من تلك الجزر قادرة على إيواء السكان بشكل دائم، وهو المطلوب للادعاء بامتلاك مناطق اقتصادية خاصة على امتداد 200 ميل، وبعض منها يتداخل مع المناطق الاقتصادية الخاصة التي يشكلها الخط الساحلي لدول أخرى. والصخور والمياه الضحلة تولد قطرا من المياه الإقليمية يمتد بحده الأقصى إلى 12 ميلا فقط.
والواقع انه بعد الاكتشافات الهيدروكربونية في الجزر، بدأت الصين في التسلط على تلك الأراضي. في عام 1974، شن جيش التحرير الشعبي الصيني هجمات مفاجئة، واقتلعت القوات الفيتنامية "الجنوبية" المتمركزة على جزر باراسيل. وفي عام 1988، فاجأ هذا الجيش مجدداً الفيتناميين على الجزيرة المرجانية الاستوائية جونسون في سبراتلي. ولقد استولت بكين في عام 1994 على سلسلة صخور قريبة من سطح المياه من الفليبين من دون أي قتال.
الاستفزاز الأكبر
وتتهم بكين الآن جيرانها بإشعال التوترات. لكن في يونيو الماضي، قامت باستفزازها الأكبر منذ عام 1994، عندما طرحت مزايدة على مواقع لاستكشاف النفط تقع ضمن المناطق الاقتصادية الخاصة لفيتنام وتتداخل مع مواقع كانت قد قامت فيتنام بتأجيرها. وهذا بوجه خاص يمثل تهديدا لفيتنام لأن الصين لم تعد تعتمد في مثل هذه العقود على الشركات متعددة الجنسيات. وشركة النفط الوطنية للصين المملوكة للدولة تقوم بتطوير منصات الاستكشاف الخاصة بها في البحار العميقة، وهذه طريقة جديدة تعتمدها بكين لتأكيد مزاعمها.
وفي أثناء ذلك، تقوم بكين أيضاً بتصعيد التوتر. وقد حصلت مواجهة مع مانيلا على المياه الضحلة "سكاربورو" في مايو الماضي. وقطعت سفن الصين السنة الماضية الكابلات الصوتية عن سفينتي استكشاف فيتناميتين. وفي يونيو الماضي، أعلن وزير الدفاع الصيني البدء بدوريات "جاهزة للقتال" في المياه التي تزعم فيتنام امتلاكها.
من وجهة نظر بكين، فإن قدرتها على المطالبة بمناطق إقليمية في البحر وانتهاك القانون الدولي، تعد من صلاحيات القوة العظمى. وتلك كانت رسالة وزير الخارجية الصينية يانغ جيتشي إلى منبر الأمن الآسيوي الإقليمي في هانوي في يوليو 2010. فقد وصف بحر الصين الجنوبي بأنه "مصلحة وطنية في الصميم" وتابع قائلا: "الصين بلد كبير والبلدان الأخرى هي بلدان صغيرة، وهذه هي الحقيقة".
موقف واضح
لذا ليس ما يدعو للاستغراب أن تطلب دول جنوب شرقي آسيا من واشنطن الآن المساعدة في صد التعديات الصينية، وإنما ما يدعو للاستغراب هو أن بكين تبدو متفاجئة بأنها معزولة مجدداً في المنطقة ومحاطة بحلفاء أميركا. ومع نمو قوة الصين، يدرك بعض جيرانها بأن فرصة رد فعل موحد في سبيل تغيير تصرفاتها تتلاشى. وأفضل فرصة لتجنب مواجهة مؤذية تكمن في رد فعل أميركي قوي.
مصلحة أميركية
حافظت واشنطن على موقفها الغامض نحو بحر الصين الجنوبي قائلة إنها لا تأخذ جانب أحد في الخلاف، وإنما لديها مصلحة وطنية في تسوية سلمية للوضع.
وهذا الأمر جيد طالما مازال عند حدود الجزر والمياه الإقليمية التي تحيط بها. لكن بكين أظهرت أن لا مصلحة لديها في تسوية يجري التفاوض بشأنها حول الجزر، وأنها ستستخدم القوة لتأكيد مزاعمها وهيمنتها على كل بحر الصين الجنوبي. وتحتاج واشنطن إلى أن تدعو الخريطة عام 1947 تزييفاً للقانون الدولي، وتعلن بوضوح أنها ستقاتل لإبقاء الممرات البحرية مفتوحة.
