لطالما كانت الاستراتيجية الأميركية موجهة ضد أي صعود لقوة مهيمنة في آسيا ولصالح الحفاظ على توازن مستقر للقوى في القارة. لكن كما يقر تقريرها الاستراتيجي حول الأمن القومي لعام 2006، تبقى أميركا ملتزمة بتحقيق "بروز الصين المسالمة والمزدهرة والمتعاونة مع أميركا من أجل التعامل مع التحديات المشتركة والمصالح المتبادلة".

فهل بإمكان السياسة الأميركية أن توفق بين هذين الهدفين المتناقضين في الظاهر؟ والإجابة الموجزة عن ذلك هي بالإيجاب.

تاريخ حافل

وأميركا، في الواقع، لعبت دوراً مهماً في صعود الصين. وأحد الأمثلة على ذلك، كان قرار أميركا التحول عن العقوبات التجارية ضد بكين بعد مجزرة ساحة تيان آن مين عام 1989، والعمل بدلاً من ذلك على دمج تلك البلاد بالمؤسسات الدولية. كما ساعدت أميركا أيضاً في تحول الصين إلى طاغوت تصديري من خلال إنتاج سلع رخيصة لصالحها عن طريق التعاقدات من الباطن. وهذا التصنيع نجم عنه مراكمة فوائض تجارية هائلة للصين، مما مكنها من أن تصبح المصدر الرئيسي لتدفق الرساميل إلى أميركا.

وقد اتبعت أميركا سياسة واعية للمساعدة في صعود الصين منذ سبعينات القرن الماضي، وهو نهج سياسي يبقى كما هو اليوم، حتى في الوقت الذي تسعى واشنطن إلى التحوط من مخاطر انزلاق القوة الصينية إلى الغطرسة.

والنجاح الاقتصادي المدوي للصين، الذي يجسده بروزها كصاحبة أكبر فائض تجاري في العالم واكبر احتياطي للعملة الأجنبية، يدين بالكثير أيضاً إلى تلك السياسة الأميركية، التي بدأت منذ سبعينات القرن الماضي، ولو لم يحدث توسع مهم في النشاط التجاري الأميركي- الصيني وفي العلاقات المالية، لواجهت الصين صعوبة أكبر في نموها الاقتصادي.

وبعد أن كانتا حليفتي مصلحة في النصف الثاني من الحرب الباردة، برزت أميركا والصين بعد ذلك كشريكين مرتبطين ومعتمدين بشكل وثيق الواحد على الآخر. فأميركا تعتمد على الفوائض الصين التجارية ومدخراتها لتمويل عجز ميزانيتها الهائل، في حين أن بكين تعتمد على صادراتها الضخمة إلى أميركا لإدامة نموها الاقتصادي ولدعم تحديث جيشها.

ولقد كسبت بكين نفوذاً سياسياً مهماً من خلال توظيف ثلثي احتياطها الضخم من العملة الأجنبية في استثمارات بالدولار الأميركي.

وعلى هذا الأساس، تختلف الصين كثيراً عن خصوم أميركا السابقين، مثل الاتحاد السوفييتي واليابان، والمصالح الأميركية الآن متشابكة بقوة مع الصين، حيث أنها تمنع عملياً أي سياسة تسعى لعزل بكين أو لمواجهتها. حتى فيما يتعلق بقضية الديمقراطية، تفضل أميركا تقريع بعض الدكتاتوريين الآخرين عوضاً عن مواجهة الحكم الأوتوقراطي الأكبر والأقدم في العالم.

قلق أميركي

ومع ذلك يصح أيضاً القول إن أميركا تنظر بقلق لهدف الصين غير المخفي كلياً المتمثل في الهيمنة على آسيا، وهو هدف يعارض المصالح الأمنية والتجارية لأميركا، وهدف أميركا الأوسع نطاقاً المتعلق بتحقيق توازن قوى في آسيا.

وفي سبيل المساعدة على تفادي هذه الهيمنة، بدأت أميركا فعلاً في بناء مواقع تأثير وشراكات تعويضية، من دون أي محاولة لاحتواء الصين.

وستستمر أميركا في العمل مع الصين عن كثب حيث تلتقي مصالحهما. يكتب الأكاديمي الأميركي جون غرايفر انه يرى مقايضة بين واشنطن وبكين في منطقة جنوب آسيا- المحيط الهندي الشاسعة، يقول: "تقبل بكين بتفوق أميركي مستمر في تلك المنطقة في مقابل قبول أميركي بتوسع تدريجي إضافي سلمي للوجود والنفوذ الصيني هناك".

بالنسبة لأميركا، تساعد القوة الصاعدة للصين في حصول الانتشار العسكري الأميركي في آسيا على تأييد إقليمي، وذلك من خلال الحفاظ على الحلفاء الموجودين في آسيا، وكسب شركاء استراتيجيين جدد.

منذ أقل من عقد من الزمن، كانت أميركا تشعر بأنها مهمشة في آسيا. أما اليوم، فقد عادت بحزم إلى مركز الأحداث فيها، مما حض الرئيس الأميركي باراك أوباما على الإعلان عن "المحور" المتجه نحو آسيا.

ولتقديم ثقل استراتيجي لهذا "المحور"، فإن أميركا ستعيد توجيه 60% من سفنها الحربية إلى المحيط الهادئ و40% إلى المحيط الأطلسي بحلول 2020، بالمقارنة مع نسبة 50-50 حالياً، ومع ذلك، تزمع الالتزام أيضاً بنهجها ذي المسارين في آسيا، وذلك من خلال السعي للحفاظ على توازن في القوى بمساعدة حلفائها وشركائها الاستراتيجيين، وفي الوقت نفسه الاستمرار في احتواء صعود الصين، بما في ذلك التوصل إلى صفقات مقايضة معها في الخفاء على قضايا محددة ومناطق غير جوهرية في آسيا.