ترى الزعيمة المعارضة أونغ سان سو كاي في البوذية مصدرا للقوة الشخصية، سمح لها بالصمود خمسة عشر عاما في مواجهة الإقامة الجبرية في بيتها، وهو ما حكم جنرالات بورما به عليها. ويمكن أيضا لتعاليم البوذية، مثل اللطف المفعم بالحب والتعاطف،أن تكون مرشدا للتحول الديمقراطي حسبما تقول بتبني المصالحة مع العسكريين. غير أن التقاليد البوذية في بورما لها جانب قومي يتسم في بعض الأحيان بطابع مفعم بالكراهية، على نحو ما يظهر العنف الذي اندلع منذ يونيو الماضي ضد مسلمي الروهينغا في ولاية راخين الغربية، حيث سمم شعور بالتفوق العنصري والديني بين الغالبية من البوذيين البورميين العلاقات مع 40% من السكان الذين يتألفون من الأقليات غير البورمية.

الهدف الحقيقي

ولم يؤد هذا العداء إلى تغذية الحرب الأهلية فحسب، وإنما يمكن أن يجذب البلاد بعيدا عن مسار الإصلاحات. ويستخدم العسكريون قضية الروهينغا لزيادة شعبيتهم لدى البوذيين البورميين بشكل عام وبوذيي راخين بشكل خاص، الأمر الذي يضع سوكاي في موقف لا تحسد عليه.

وقد أسفر العنف المضاد للروهينغا ،الذي أقدمت جماعات غوغائية بوذية على جانب منه، في حين اقترفت قوات الأمن التي يهيمن عليها البوذيون الجانب الآخر، عن سقوط العشرات من القتلى وإحراق العديد من التجمعات السكانية وتدفق 90 ألف لاجئ إلى بنغلادش المجاورة. وهناك 300 ألف لاجئ من الروهينغا لا يزالون يعانون في مخيمات مؤقتة تبقت من موجة العنف الأخيرة التي تعرض لها الروهينغا قبل 20 عاما، وهم جزء مما تصفه الأمم المتحدة بأنه:" إحدى أكبر جماعات اللاجئين الذين لا يجدون دولة لهم على امتداد العالم".

وتقول الأمم المتحدة إن الروهينغا الذين يصل عددهم إلى حوالي 800 ألف نسمة هم بالفعل "بلا صديق عمليا" ويخضعون للعمل بنظام السخرة والابتزاز والتحرش من جانب رجال الشرطة وفرض القيود على حرية حركتهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، وفرض قيود على معاملات الزواج الخاصة بهم، وسياسة عائلية تتبع كأمر واقع نظام الطفل الواحد للعائلة الواحدة، فضلا عن محدودية القدرة في الحصول على الوظائف والتعليم والرعاية الصحية.

وقد صدر قانون في عام 1982 سحب الجنسية البورمية منه على أساس الافتراض انهم مهاجرون غير شرعيين من بنغلادش برغم أن الكثيرين منهم عاشوا في بورما على امتداد أجيال عدة.

وهناك أيضا لون بشرتهم الأكثر دكنة الذي يجعلهم " وحوشا بشعة" بالمقارنة بـ البشرة "الفاتحة والناعمة" للبورميين وذلك وفقا لما قاله القنصل البورمي العام في عام 2009. وقال الرئيس البورمي ثن سن إن " الحل" لمشكلة الروهينغا هو إيداعهم في مخيمات تديرها الأمم المتحدة أو طردهم.

وتبنى كثيرون في الجماعة البورمية المؤيدة للديمقراطية آراء مماثلة بمن في ذلك شخصيات قيادية في الرابطة الوطنية للديمقراطية التي تتزعمها سوكاي. وقد وصف كو كو غاي الذي سجن لدوره الاستراتيجي في انتفاضة 1988 الطلابية، والذي يعد الآن راعية للناشطين الديمقراطيين الأصغر سنا- وصف الروهينغا بأنهم "إرهابيون" يعتدون على سيادة الدولة البورمية. وشأن القيادات المعارضة الأخرى، فإن كوك وغاي ينفيان ضرورة اعتبار الروهينغا بين "المجموعات الوطنية " البورمية البالغ عددها 135 جماعة. وقال نايان وين الناطق باسم الرابطة الوطنية للديمقراطية :" الروهينغا ليسوا مواطنينا".

وقد شكلت معارضة الرهبان للحكومة التي أسفرت في 2007 عن "ثورة الزعفران" تحديا يعتد به لشرعية العسكريين وذلك بتصوير المؤسسة العسكرية البورمية على أنها عدو للساسانا الذي نادى به بوذا، أي الحكم الأخلاقي الصحيح. وقد حاول النظام التصدي لهذا التحدي بالعثور على أعداء خارجيين والتشديد على أن البوذية هي ديانة "البوذيين حقا" وأن نقاءها يتعرض للتهديد. والنتيجة هي أغلبية بوذية قد تتجمع وراء سوكاي والرهبان من أجل حقوق ديمقراطية أكبر، ولكنها أقل حرصا على مد هذه الحقوق نفسها إلى الآخرين.

مع انتشار العنف ضد الروهينغا فإن الإنترنت حديثة التحرير امتلأت بالهجمات العنصرية، وقال أحد المعلقين مستخدما عبارة مهينة لمن وصفهم بالأجانب ذويي البشرة الداكنة:" إننا ينبغي أن نقتل كل (الكالاريين) في بورما أو ننفيهم وإلا فإن البوذية لن يعود لها وجود". وأنشأت مجموعة وطنية بورمية صفحة على الفيسبوك تحمل اسم "عصابة قطع رؤوس الكالاريين" والتي اجتذبت 600 شخص من المعجبين المساهمين فيها في منتصف يوليو الماضي. وكانت أون سان سوكاي في اوروبا تتلقى جائزة نوبل الخاصة بها عندما وصلت أزمة الروهينغا إلى ذروتها، فبدت مثل غزال أحاطت به أضواء سيارات الصيادين. وعندما سؤلت عما إذا كان الروهينغا ينبغي أن يعاملوا كمواطنين بورميين ردت قائلة:" لا أعلم". وعقبت ذلك بتصريحات مراوغة عن حقوق المواطنة والحاجة إلى اليقظة على الحدود. ولم تقم لا هي ولا العصبة الوطنية للديمقراطية باستنكار الهجمات العنصرية التي أعقبت ذلك، أو التعبير عن التعاطف مع ضحاياها.

ويقول بعض المحللين إن تردد سوكاي في الإعلان عن رأيها صراحة عكس قلقا على دائرتها الانتخابية التي تنتشر فيها المشاعر المناهضة للروهينغا، واشار آخرون إلى النزعة العنصرية الضارية من جانب البوذيين في ولاية راخين، وهي ولاية تلعب دورا في استراتيجية العصبة الوطنية للديمقراطية الأوسع نطاقا.

ترجمة: عمر حرزالله

أخطار محدقة

تبدو في الأفق أخطار كبيرة، فإذا ما احتدمت التوترات العرقية والدينية، والتي طالما كبح العسكريون جماحها، فإن ميانمار يمكن بسهولة أن تصبح يوغسلافيا أخرى، ويمكن أن يؤدي شبح الاضطراب الذي طالما أشار العسكريون إليه إلى عرقلة إيقاعات الإصلاح في البلادأو حتى ردها على أعقابها.