"ريغاتا" هو اسم المجمع الكبير المسور، الذي تم تخصيصه لرجال الأعمال الأجانب على الشاطئ غربي طرابلس، منازل المجمع بمعظمها مهجورة، وكثير منها نهب من قبل الميليشيات، لكن لم يكن بالحسبان أن تصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم. لقد مضى عام على سقوط الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، الذي اطلق تكهنات لا تحصى، من قبل أمثال وزير الدفاع البريطاني فيليب هموند، بأن المديرين البريطانيين "سيحزمون حقائبهم" ليشاركوا في منجم الثراء الخاص بإعادة الإعمار، لكن مع ذلك، يأبى مجمع "ريغاتا" بعناد إلا أن يتحول إلى مدينة أشباح.
وأخيرا، خاطب السفير البريطاني لدى ليبيا، سير دومينيك آسكويث، وفدا من مجلس الأعمال الليبي البريطاني في طرابلس، ويقال إنه: "تكلم بحدة معربا عن استغرابه وخيبة أمله من رد فعل الشركات البريطانية البطيء تجاه انتهاز فرص الأعمال".
على الطريقة العراقية
وهذا الإحساس بالانفصال عن ليبيا قد زاد أخيرا عندما أفادت شركة النفط العملاقة "شل" أنها ستهجر حقولها وتوقف استكشافاتها في ليبيا. وفي أثناء ذلك، لا زالت شركة المضخات "وير" ترفض العودة إلى ليبيا، وكانت تعمل على إعادة تجديد مصنع كهرباء بملايين الجنيهات في مصراتة، أما شركة الخدمات النفطية "وود غروب" التي كشفت عن تلقيها دفعة بقيمة 5.8 ملايين دولار من الحكومة الليبية الجديدة أخيرا، لأعمال كانت قد أنجزتها للنظام السابق، فإنها تتوخى الحذر أيضا حيث تقول: "النمط المتوقع لكيفية تطور الوضع في ليبيا شبيه بالعراق. وكان هناك كثير من النقاشات حول الإمكانيات هناك، والآن فقط بدأت الناس في دخول البلاد".
لكن مجلس الأعمال الليبي البريطاني، في المقابل، يبدي المزيد من الإيجابية عند مخاطبة العالم الأوسع نطاقاً. والمدير العام روبن لامب يشدد على أن الشركات البريطانية تتعامل مع الصعوبات بشجاعة ونجاح، وأن الشركات البريطانية ليست متخلفة عن اللحاق بالركب. وهناك ثلاثة فروع لشركات "نكست" و "بي إتش إس" و"توب شوب" و"إم أند إس" وغيرها.
ومن بين الإشارات الداعية للتفاؤل للشركات البريطانية عودة الشركة النفطية "بي بي"، التي أعلنت عن عقد استكشاف للنفط الليبي في عام 2007، قبل أن تنسحب بعد ذلك مع اندلاع الربيع العربي. يقول الناطق باسم الشركة: "نحن نعد انفسنا لمتابعة برنامج الاستكشاف من حيث تركناه في أوائل عام 2011، ولقد بدأنا في تخصيص العقود، وسيستغرق الأمر وقتا لإعادة بناء قدراتنا ولا نتوقع أية أعمال حفر قبل السنة المقبلة".
وفي أماكن أخرى، تملك شركة "هريتاج أويل" أذونات وتراخيص طويلة الأمد لإمداد حقول نفط البلاد، بعد حصولها على حصة 51% في مجموعة خدمات النفط "صحرا" في أكتوبر الماضي. تقول الشركة: "نعمل على المناقصات، وعقدنا نقاشات مع أعضاء كبار في الحكومة وشركات النفط الحكومية".
ومع ذلك، فإن أيّاً من تلك المشاريع لا يبدو أنه يشكل جزءا من منجم الثراء المنشود، بالتالي لماذا تستغرق عمليات إعادة الإعمار كل هذا الوقت؟
مشكلة الأمن
يبقى الأمن هو المشكلة، فسيارتان مفخختان في طرابلس أثارت التوتر. والقتال القبلي يستمر أيضا في بلدات في الجنوب، والوفود الدبلوماسية الغربية هوجمت في بنغازي، ثاني اكبر المدن الليبية.
يقول جوناثان تيري من شركة استشارية "مايبل كروفت"، إن الاغتيالات لاسيما لأشخاص على صلة بنظام القذافي، والهجمات على أهداف غربية قد بعثت برسائل مقلقة"، ويضيف: "كان المسؤولون الليبيون يقولون، على الدوام، إن الشركات من الدول التي دعمت التدخل مثل بريطانيا وفرنسا وأميركا ستتم "مكافأتها" ، لكن درجة تأييد هذا الوعد لا تزال مجهولة إلى الآن". بالنسبة لكثير من الناس، يعود التقدم البطيء إلى أن الغربيين لا يدركون الوتيرة التي تجري بها الأعمال في ليبيا. يقول أحد مديري النفط: "كان المجلس الوطني الانتقالي الليبي حذرا في الامتناع عن القول إنه سيعطي عقودا طويلة الأمد إلا بعد تشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيا، ولم يكن هناك أبداً اندفاع نحو العقود".
ولا يوجد مكان أفضل من سوق الأوراق المالية في طرابلس يوضح حالة الركود في الأعمال. ويقول عملاء الأسهم إن الحكومة التي يعمل بها مسؤولون من النظام الدكتاتوري السابق غير مجهزة لإجراء الانتقال للسوق الحرة. ولدى مدير سوق الأوراق المالية محمد سلبي ملفات ضخمة بين يديه من بينها قانون تنظيمي نموذجي صاغه مسؤولين تحت سلطته، وهو نتاج خبرة في العمل بالبورصات في لندن وباريس ونيويورك، لكنه يقول إن الإدارة لم تخط خطوة لتطبيقه. ومع ذلك، فقد بدأت شركات أجنبية أخرى في القدوم إلى ليبيا. فشركة "نكساس" الفرنسية حصلت أخيرا على عقد لكابل كهربائي بقيمة 80 مليون يورو، وشركة "وينترشال" الألمانية بدأت العمل على خط أنابيب نفط جديد رئيسي.
معوقات أخرى
يقول إيهاب عبد المجيد، مدير فرع "سلسلة شركة "سينابون" الأميركية، وهي وكالة الوجبات السريعة الوحيدة المملوكة أجنبيا التي فتحت في طرابلس خلال السنة الماضية: "ليبيا أرض عذراء، والأعمال التي تأتي إلى هنا ستكون ناجحة".
لكن المشككين بالوضع يتساءلون حول صحة هذا الأمر حيث يتوقع البعض منهم سنوات من سفك الدماء. يقول أحد الخبراء: "لن يحدث أي عمل تجاري إلى أن تهدأ الأوضاع، وهذا قد يستغرق سنوات، فالليبيون يقومون الآن بتصفية حسابات سابقة، وربما سيذهبون نحو المزيد من المعارك القبلية، وربما الحرب الأهلية".
منجم ذهب
يبقى مجلس الأعمال الليبي البريطاني متفائلا حيال وضع الأعمال في ليبيا، ويقول إن منجم الثراء قد تأخر بالنسبة للشركات البريطانية، لكن لم يجر هجرانه. ويأمل أن تقوم الحكومة الجديدة بتسريع الإصلاحات، ويقول: "الذهاب إلى ليبيا بهدف الأعمال "ضروري" الآن". فشعب ليبيا تواق للحصول على كل شيء من الطرقات والمستشفيات إلى الهواتف والمودة والأزياء، والبلاد ليست لديها سكة حديد ولا خدمة باصات عامة، وتقدر "هيئة التجارة والاستثمار البريطانية" بأن تنفق ليبيا اكثر من 125 مليار جنيه على إعادة الإعمار.
