يتشكل واقع جديد وواقع بديل حاليا في مصر، ويبدو الرئيس المصري د. محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين مسيطرين بحزم على الوضع هناك، وقد انتهز الرئيس المصري الجديد الحادثة التي تمثلت في مصرع 16 جنديا مصريا في سيناء بأيدي مسلحين متشددين ، وهو الأمر الذي اعتبر تطورا محرجا بالنسبة للمؤسسة العسكرية، وبصفة خاصة المجلس العسكري الأعلى، فبادر إلى تنحية أبرز القادة العسكريين من مناصبهم، كما ألغى التعديل الدستوري المكمل، وأسند للرئاسة مزيدا من السلطات التنفيذية والتشريعية. وباختصار فقد قام بفرض القيادة المدنية على مصر دون أن تبدي المؤسسة العسكرية المصرية أي إشارة للمقاومة.

وينظر الكثيرون إلى تحرك د. مرسي لإحكام قبضته على المجلس العسكري الأعلى، حيث قام بعزل المشير محمد حسين طنطاوي من منصب وزير الدفاع، وكذلك عزل رئيس الأركان سامي عنان وقادة القوات البرية والبحرية والطيران- ينظرون إلى هذا التحرك باعتباره يعطي أخيرا للثورة المصرية الفرصة لإزالة العناصر البارزة الباقية من نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك وتحقيق وعدها. ويميل آخرون وبصفة خاصة من غير المنتمين للتيار الديني إلى النظر لهذه التحركات الأخيرة باعتبارها بمثابة إزالة جماعة الإخوان المسلمين لأي ضوابط مفروضة على سلطتها.

مؤشرات مثيرة للقلق

وفي ضوء بعض التحركات التي قام بها د. مرسي والمحيطون به، فإن هناك ما يدعو إلى القلق، فقد قام الرئيس المصري الجديد بتعيين وزير إعلام جديد هو صلاح عبد المقصود الذي ينحدر بدوره من جماعة الإخوان المسلمين، ويؤيد بصورة نشطة التحرك لاستبدال 50 من كبار رؤساء ومديري التحرير والصحافيين. وقد وجهت اتهامات لرئيس تحرير صحيفة الدستور المعارضة إسلام عفيفي بإهانة الرئيس المصري، وليس من قبيل الصدفة أن لهجة الإعلام الرسمي المصري قد تغيرت بصورة ملحوظة، أخيرا، وأصبحت أكثر تعاطفا مع د. مرسي.

لا شيء من هذا يعني أن الدرب أصبح ممهدا أمام التغيير في مصر، وإنما هو يعني أن الرئيس المصري الجديد، الذي أحاط نفسه إلى حد كبير بأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين أو متعاطفين معها، قد أصبح يسيطر على كل مؤسسات السلطة في مصر.

فلنأخذ في الاعتبار أن د. مرسي قد نفى أن يكون قد بعث إلى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز ردا على رسالة كان هذا الأخير قد بعث بها إليه، وذلك بعد أنباء أفادت أن هذه المراسلة قد أثارت رد فعل غاضب في أوساط جماعة الإخوان المسلمين حول إجراء د. مرسي لمثل هذا الاتصال بإسرائيل. وما يجعل هذا الأمر جديرا بالاهتمام بشكل خاص هو أن مكتب بيريز لم يعلن فحوى رسالة د. مرسي إلا بعد أن رجع للمسؤولين المصريين للتأكد من أنه لا بأس من القيام بذلك.

وقد أفضى الغضب في دوائر الإخوان المسلمين إلى قيام الرئيس المصري علناً بإنكار تبادل الرسائل بين الجانبين. ولنأخذ في الاعتبار أيضا أن جماعة الإخوان المسلمين بادرت في التو بإلقاء اللوم على كاهل جهاز المخابرات الإسرائيلي فيما يتعلق بالهجوم الذي أسفر عن مصرع الجنود الستة عشر المصريين في سيناء وهو شيء كانت الجماعة تعرف أنه ليس صحيحا.

ما هي الاستنتاجات التي يمكن الوصول إليها فيما يتعلق بجماعة لا يمكنها الإقرار بالحقيقة؟ جماعة تصر على العيش في واقعها الخاص؟

من الواضح أن جماعة الإخوان المسلمين تتشبث بأيديولوجياتها ولا يمكنها الإقرار بأي شيء يمكن أن يضع فلسفتها موضع التساؤل.

ركام من الشروط

ولكن الولايات المتحدة وغيرها لا ينبغي أن يقروا بواقع الجماعة البديل، وهذا لا يعني القول إنه يتعين علينا أن نوافق على كل شيء، فالخلافات السياسية يمكن تفهمها، ولكن ليس من المقبول إنكار الواقع وتبني سياقات وسياسات تقوم على أساس مخالفة الحقيقة والوهم.

ينبغي للرئيس المصري وجماعة الإخوان المسلمين أن يعرفا هذا، يتعين أيضا أننا على استعداد لحشد المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية لمساعدة مصر، ولكننا لن نفعل ذلك إلا إذا كانت الحكومة المصرية على استعداد للتحرك بمقتضى مجموعة من القواعد تضرب جذورها في الواقع وفي المبادئ الرئيسية.

لا بد للحكومة المصرية أن تحترم حقوق الأقليات والنساء، ويتعين عليها أن تقبل التعددية السياسية وإتاحة المجال للتنافس السياسي المفتوح، ولا بد لها من أن تحترم التزاماتها السياسية بما في ذلك بنود معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.

ليس السجل جيدا حتى الآن، حيث تشير التقارير الإخبارية إلى أن هناك ما يزيد على 100 ألف قبطي قد غادروا مصر، وهناك محاولات لترهيب أجهزة الإعلام، وقد نقل الرئيس المصري الجديد قوات مدرعة إلى سيناء من دون أن يخطر الإسرائيليين مسبقا وهو أحد متطلبات معاهدة السلام.

يتعين أن يكون موقف الإدارة الأميركية واضحاً، وإذا استمر هذا السلوك فإن الدعم الأميركي، الذي سيصبح بالغ الأهمية في الحصول على المساعدة الاقتصادية الدولية واستقطاب الاستثمار الدولي، لن يتم تقديمه.

ربما يمكن لقيام واشنطن بإضفاء الغموض على استجابتها، أو جعلها تتخذ شكلاً ليناً عند هذا المنعطف، أن يكون شيئا جيدا بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، ولكنه لن يكون جيدا بالنسبة لمصر.

 

مسؤولية كبرى

 

سيجد الرئيس المصري د. محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين أن من الصعب تجنب المسؤولية عن أي شيء يحدث في مصر. وتواجه البلاد تحديات اقتصادية كبيرة، وسوف تحتاج إلى مساعدة خارجية لا يستهان بها وإلى استثمار خالص، ويسعى مرسي والجماعة الآن إلى الحصول على دعم خارجي لـ"خطة النهضة" التي وضعها لإنعاش الاقتصاد بعد أن قاوما الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي للموافقة على قروض لمصر قبل وصولهما إلى السلطة.

ويبدو أنهما الآن متلهفان ليس للحصول على القرض المطلوب لمصر فحسب، وإنما أيضا لاقتراض ما يزيد على 3.2 مليارات دولار كان الصندوق على استعداد لتقديمها بشكل مشروط. وفي هذا الصدد فإن د. مرسي والجماعة يدركان الواقع فيما يبدو، ولكنهما في جانب آخر مهم يبدوان مصرين على تجاهله.